الخزف والطين عُملتان لوجه واحد، كلاهما رافق الإنسان في تطوره ومدنيته، وكان العنصر الذي استمد منه أول مادة للتعبير الفني عن شؤونه وشجونه، وعليه خَطَت الحضارات أولى خُطاها وكذا خَطّت أبجدياتها ولغاتها الأولى.

كيف يتم التشكيل في الخزف؟ وما هي خفايا هذا الفن؟ وما هي أسراره التي تمنحه التميز والتفرد والخصوصية؟... تساؤلات وأسئلة عديدة تقاطرت أوقفت «الحواس الخمس» وقفة تأمل مع الفنان متعدد المواهب سرمد الموسوي، فاستهل حديثه معنا بالقول إن الخزف هو فن الصبر والتجريب والاستكشاف غير المحدود، ليس فقط لأن الطين في هذا الفن هو أحد أهم العناصر الضرورية في بنائه وتكوينه، وإنما لأنه ساهم في وضع اللمسات الأولى لتدوين جميع الحضارات التي قامت على الأنهار، والتي مازال فضلها على الإنسانية متوارثاً حتى هذه اللحظة.

يقول الموسوي: تختلف خطوات عمل الخزف من فنان إلى آخر، ولا توجد ضوابط تلزم الفنان بالبدء بهذه الخطوة أو تلك، لكن المتعارف عليه في الخزف أن الفنان يضع فكرة محددة للعمل الفني الذي سيقوم به، ويطوع هذه الفكرة لخدمة مفردة معينة كأن تكون حرفاً أو زخرفة أو رسما، وهذه الفكرة أو تلك ربما تُدَوّن على الورقة أو لا تُدَوّن. وقد يكتشف الفنان مما أن يبدأ العمل أن هناك فكرة أخرى ظهرت وهي أكثر تألفا مع روحه، فيقوم بتنفيذها بعيدا عن الفكرة الرئيسية التي هرع ليطبقها، وعلى كل حال بعد تكوين فكرة ما يأتي دور تصميم المعالم الرئيسية لموضوع العمل الفني الذي سيتم التعامل معه على أنه تكوين للشكل ككتلة، كونه يختلف عن اللوحة التي يتم التعامل معها على أنها سطح.

وهنا يأتي دور الورقة والقلم وعناصر العمل الفني الذي سيتم تنفيذه، والمقصود بها الزخارف والحروف التي يتم تصنيف أنواعها إلى خطوط مثل الثلث، النسخ، الرقعة، الكوفي والمصحفي، حيث يمكن للفنان اختيار أكثر من نوع للخط ويمكنه أيضا دمج مجموعة من العناصر والتكوينات بما يناسب ذوقه وفكرته. - فكرة وطرق تنفيذ: وفي أثناء تصميم العمل الفني الذي رسمه الفنان في مخيلته يقوم باختيار لون العمل وطريقة تطبيقه، فقد يرتئي الفنان أن ينفذ عمله على شكل عمل جداري او دائري او على شكل أطباق وفي بعض الأحيان يقوم بدمج أكثر من تصميم في ذات الوقت ليخرج عن المألوف ويترك بصمته الخاصة في هذا العمل او ذاك.

وأوضح الموسوي بعد الانتهاء من وضع الخطوط العريضة للعمل الفني وتصميمه على الورقة، تأتي مرحلة التطبيق واستخدام الطين الذي تختلف أنواعه حسب رغبة الفنان وفكرة العمل ذاته، فهناك أطيان تتحمل درجات حرارة عالية وأخرى أقل، يتغير لون الطين فيها بعد الحرقة الأولى.

لكن أجود أنواع الطين هي تلك التي تحتوي على أملاح قليلة، وتتضمن مادة السليكا التي تحافظ على مطاطية الطين ، ورغم ذلك هناك أطيان جاهزة يمكن للفنان شراؤها من بعض الدول العربية أو الأوروبية حسب طلبه، وعلى الضفة الأخرى هناك طريقة بدائية لتحضير الطين لا يزال بعض الفنانين ينفذون أعمالهم بها.

حيث يمكن تحضير الطين من خلال وضع التراب بأحواض كبيرة مضافاً إليه الكثير من الماء ويترك لمدة يوم إلى اثنين ليذوب التراب، بعدها يفرغ الماء و تكرر عملية سكب الماء وتصفيته من مرة إلى ثلاث، حتى يصبح السائل كثيفاً، بعدها يصفى الطين في مصفاة رقم صفر للتخلص من الشوائب ويغطى ويترك في الشمس حتى يجف وبعدها يتم عجنه ويصبح جاهزاً للاستعمال. هذه الطريقة البدائية مستخدمة منذ زمن السومريين ولحد الآن، وبما أن الإمارات لا يوجد فيها طين لأن أرضها رملية وملوحتها عالية فيمكن تحضير الطين بهذه الطريق.

بعد أن أصبح الطين جاهزا سواء تم تحضيره بالطريقة البدائية أو تم الحصول عليه جاهزا، تأتي خطوة تنفيذ العمل الفني، فيؤخذ الطين ويعجن بطريقة دائرية حتى يفرغ من الهواء، ومن ثم يتم تمديده باتجاه واحد حتى تخرج فقاعات الهواء منه. في هذه الأثناء تتم عملية بناء العمل الفني الذي يعتمد على طريقة ثني الصفائح أو تكوين مجموعة من الأحبال أو الشرائط بعضها فوق بعض حتى يصل الفنان إلى خاتمة العمل الفني، ومن ثم تضاف إليه الزخارف من خلال الإضافة أو الحذف، حيث يعتمد سُمك الطين على نوع العمل الفني.

فخر الطين وتزجيجه

ويؤكد الموسوي أنه عند اكتمال تنفيذ العمل يجب مراعاة أن لا يكون في ممر هواء كي لا يجف الطين وتكون خاتمة العمل مكسورة، بعدها يتم وضع الطين في الفرن لفخره، وتحدد درجة حرارة فخر الطين حسب نوعه، إذ تتم زيادة درجات الحرارة تصاعديا للوصول إلى الحرارة التي يريدها الفنان، وبعد ذلك يتم تنفيس الفرن لتكوين مجرى هوائي ويُترَك العمل من يوم إلى اثنين حتى يبرد.

وعند الانتهاء من هذه الخطوة يتم تنظيف العمل من الغبار الذي قد يعلق عليها، ومن ثم يتم تلوين العمل بعدة طرق منها الرش والسكب والتغطيس أو الرسم بالفرشاة، ويتم إدخاله إلى الفرن مرة أخرى مع مراعاة أن يتم وضع الألوان حسب درجة حرارة تحمل كل منها، فالألوان ذات الحرارة العالية يتم تزجيجها في البداية ثم تأتي بعد ذلك الألوان الأخرى التي لا تتحمل حرارة عالية، على أن تكون درجة حرارة التزجيج اقل من حرارة «فخر الطين».

ألوان حديثة

ويتوقف الموسوي برهة ليستطرد بعدها قائلاً: في بداية حديثنا ذكرنا ان فن الخزف يعتمد على التجربة، وفي إحدى محاولاتي للحصول على لون مختلف عن ألوان طلاء الخزف، قمت بتجربة إيجاد لون ومشتقاته خاص فقط لأعمال معرض سومر الذي شاركت فيه في بينالي القاهرة للخزف في عام 2000 وحصلت على جائزة، والفضل بذلك يعود إلى طبيعة الأعمال الخاصة واللون الذي كونته من برادة الحرارة، والذي أثمرت عنه تدرجات اللون الأحمر المميز.

قسم الخزف في الإمارات

وقال سرمد الموسوي: قمت بتأسيس قسم الخزف في معهد الفنون الجميلة في الشارقة في عام 1997، وتم تخريج أول دفعة من الفنانات المهتمات بفن الخزف، وعُرضت أعمالهن في معرض المعهد.

فيلم «الصمت»

الفنان سرمد الموسوي مؤلف وموزع موسيقي، حصل على جائزة الإبداع الذهبي في مهرجان القاهرة للسينما في عام 2000 عن الموسيقى التصويرية لفيلم «الصمت»، وهو عبارة عن محاكاة للحدث والتعامل مع الصورة.

فنان متعدد المواهب

يعتبر الفنان العراقي سرمد الموسوي، الذي تخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، أحد الفنانين العراقيين متعددي المواهب الفنية، كونه خّزّافاً وموسيقياً، وفناناً تشكيلياً لديه مجموعة من المعارض.

الجنسية: عراقي

مواليد: 1972

برجه: الحوت

نال: جائزة الموسيقى للعام 2000

دبي ـ فضيلة نجيب