أصبحت للأفلام السينمائية سطوة كبيرة بفعل الثورة الرقمية التي حطمت كل الحدود والحواجز، فحققت للفن السابع انتشاراً لا نظير له وغيرت من مضمون الفيلم السينمائي وأسلوب صناعته، فلم يعد مجرد مشاهد ولقطات متسلسلة بل دخلت إليه تقنيات هائلة في مجال الصوت والصورة والرسم الثلاثي الأبعاد.
ولابد من الاعتراف أنه بعد الاعتماد على شرائط السيليلويد في صنع الأفلام السينمائية، بدأت منذ التسعينات تظهر آثار تحول تكنولوجي مع دخول صناعة السينما الديجيتال، فمن منا لم يبهر بالتقنية العالية في أفلام «ماتريكس، هاري بوتر، لورد أوف ذي رينغز» والمئات من الأفلام التي كان من غير الممكن أن تقوم لها قائمة دون التكنولوجيا الرقمية. بعد مئة عام من عروض الأخوان بيير وأوجست لوميير في باريس، وكانت شرائط من بكرة واحدة، قام عدد من المخرجين العالميين في محاكاة لشرائط لوميير وباستخدام لكاميرا «السينماتوغراف» نفسها في عمل فيلم عام 1996 من بكرة واحدة وبلا قطع «مونتاج» وباستخدام الضوء الطبيعي والأماكن الحقيقية ولا تزيد مدته على 52 ثانية، وكانت المحاولة بمثابة تحد لتأكيد أن السينما على مدى قصير من تاريخها تغيرت كثيرا جدا.
ومع ابتكار العديد من الابتكارات الفنية في مجال الصوت واللون وفي خامة الفيلم نفسه التي أصبحت أكثر نقاء وتركيزا وأكثر حجما، ظلت التكنولوجيا في جوهرها كما هي في شرائط من السيليلويد مشدودة داخل الكاميرا، تتعرض للضوء وتصنع الصورة في جزء من الثانية. ومع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين تم تجاوز هذه التكنولوجيا، عندما حدث الانتقال من نظام الأنالوج إلي النظام الرقمي، هجر فنانو التوليف »المونتاج» جهاز «المامفيولا» إلى الكمبيوتر لعمل مونتاج الأفلام، وقد فرض هذا التحول جزئيا الحاجة إلي مونتاج متسارع الإيقاع جدا ابتكره وروج له مخرجون كبار من أمثال مارتن سكورسيسير في فيلمه «الرفاق الطيبون» 990 والمخرج أوليفر ستون في فيلمه «جون فتيزجيرالد كنيدي» و«قتله بالسليقة» عام 1994. وكان أول فيلم روائي طويل بكاميرا 35 ملم مع شريط صوت ديجيتال «رقمي»، فيلم «ديك تراسي»عام 1990.
وجاءت الانطلاقة المهمة في أفلام الكرتون من خلال الفيلم الروائي الطويل «قصة لعبة» «1995» والذي يعتبر أول فيلم صنع بالكامل بفعل الكمبيوتر وكان قد تم التزاوج فعليا بين الصور التي ينتجها الكمبيوتر وبين الأحداث الواقعية الحية التي صورت على الطبيعة في فيلمين «جوراسيك بارك» و«فروست هامت» «1994».
وفتحت هذه التقنية الحديثة آفاقا جديدة أمام الملاحم التاريخية التي تعتمد علي المناظر الاستعراضية الفخمة التي تتسم بالثراء والأبهة وتوحي بعبق التاريخ وهيبته مثل «تايتانيك» و«المصارع» وأيضا أفلام الفنتازيا الخيالية المبهرة مثل سلسلة أفلام «ملك الخواتم» 2003 /2001 و«هاري بوتر» بأجزائه، وقد سيطرت هذه الأفلام علي شباك التذاكر وحققت الملايين على طول امتداد صالات السينما في العالم.
فالتطور الرقمي أعطى مجالاً قوياً جداً للتعبير في مجال الفن السابع، ما أدى إلى تعميم وسائل التعبير، حتى إن هناك أفلاماً تعرض مترافقة مع الرائحة والسوائل، كما أن طريقة العرض السينمائي تغيرت حيث أصبحت هناك محطة مركزية للعرض تبث لباقي دور السينما دون الاضطرار لطبع أعداد من النسخ بعدد دور العرض، وهناك أيضاً أجهزة المونتاج الرقمي التي تحول الفيلم إلى مادة رقمية تعرض المشاهد جميعها أمام أعين المونتير الذي يستطيع القيام بعمليات فنية ويحقق عملية المونتاج بشكل أفضل.
وكان التصوير من أكثر عناصر صناعة الفيلم السينمائي تأثراً بالثورة الرقمية حيث أتاحت التطورات الأخيرة في مجال الكاميرات للمخرجين بدء تصوير اللقطة بسرعة 24 كادراً في الثانية، وتغيير السرعة أثناء التصوير إلى 48 كادراً في الثانية ومن ثم تحويل الحركة من حركة طبيعية إلى حركة بطيئة، بل ومن الممكن أن يستمر التصوير بهذه السرعة البطيئة، ثم يتم التحويل مرة أخرى إلى سرعة 24 كادراً في الثانية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد أضافت التكنولوجيا الكثير إلى صناعة السينما من الأدوات الإمكانات وطريقة العرض والسهولة في التنفيذ والسرعة وخفض التكلفة وسرعة الانتشار في العالم، فقد تحول العرض في صالات السينما إلى عرض إلكتروني وتم استبدال أجهزة العرض القديمة التي اخترعت من عام 1891، فالسينما الإلكترونية هي طريقة وأداة قيمة للعرض فالأفلام المصورة سينمائياً تعرض بعد تحويلها إلى وسيط رقمي وأيضاً تعرض الأفلام المصورة بطريقة الديجيتال السينما.
والديجيتال سينما تعتبر تطوراً تقنياً لصناعة السينما وهي حرفة جديدة وأداة إضافية ضمن مجموعة الأدوات التي تروي القصص والأحداث بصرياً، وتعتمد هذه التقنية في التوزيع على الأقراص المدمجة والكابل والأقمار الصناعية ووحدات التخزين الرقمية والأشرطة، وبذلك يكون التوفير بتكاليف عمليات الإظهار والطبع والنسخ الذي تعتمده الصناعة السينمائية التقليدية وأسعار الخام إضافة إلى تكاليف الشحن والتوزيع لبكرات الأفلام، والمهم أيضاً هو الجودة العالية في العرض الرقمي الإلكتروني في الصالات والعمر الطويل للفيلم المعروض وعدم تعرضه للخدوش والأوساخ مثل الأفلام السينمائية.
ولكن التكنولوجيا في النهاية لا يمكن بحال من الأحوال أن تعوض عن الخيال الإبداعي بل إنها فقط تجعله ممكناً، فالتفكير الإبداعي يظل دائماً في مقدمة أي تطور تكنولوجي، هذه حقيقة نلمسها في كل جوانب الحياة الحديثة وتتجسد بوضوح في مجال السينما.
زووم إن
في بداية التسعينات راهن مخرجون بارعون علي إمكانيات السينما الرقمية وعلي الميزانية المنخفضة التي تتكلفها صناعة الفيلم باستخدام كاميرات الديجيتال، وصنعوا أفلاما بأسلوب سينما الحقيقة التي تستخدم فيها الكاميرات المحمولة باليد، ومن هؤلاء المخرج الاميركي ودي ألن «أزواج وزوجات» 1992، والمخرج ماثيو كازوفيتش في فيلمه «العار» 1995، والمخرج الدنمركي لارس فون تريير في فيلمه «كاسر الأمواج» 1996.
وفي فترة زمنية قصيرة انطلقت تقنيات الديجيتال إلي آفاق أرحب جدا وأكثر نضجا وتشكلت معها أجيال من المخرجين وتيارات من الأفلام على امتداد العالم، حتى إن البعض من الفنانين الكبار في هوليوود تبنوا استعمال تقنية الديجيتال سينما لتصوير العديد من الأفلام الطويلة والقصيرة والتسجيلية بكاميرات (HD) مثل أفلام المخرج جورج لوكاس حرب النجوم وسباي كيدز2 و3 وعودة سوبرمان.
وتذكر الأبحاث السينمائية أن التكنولوجيا الرقمية خفضت تكاليف الإنتاج بالنسبة لتكاليف عمليات الفيلم السينمائي وأسعار الخام، ووفرت إمكانية تحريك الفيلم إلى الخلف، أو بسرعة إلى الأمام بدقة الكادر وتشغيل الكاميرا بسرعة كادر واحد في الدقيقة وسرعات للنيجاتيف تتراوح بين 3 إلى 30 كادراً في الدقيقة.
1990: انطلاقة التكنولوجيا الرقمية سينمائيا
ديك تراسي: أول فيلم مع شريط صوت ديجيتال
قصة لعبة: أول فيلم صنع كاملا بالكمبيوتر
ملك الخواتم: اعتمد على الجرافيك والانيميشن
2006: بداية انتشار صالات العرض الديجيتال
جورج لوكاس: أهم المخرجين في مجال تقنية الكمبيوتر
دبي ـ أسامة عسل


