في عرض منسوج بالألوان والأساطير على أحد المسارح القديمة في دمشق، تمتع جانب من جمهور المسرح العربي بليلة صيفية مبهرة، وحكاية من حكايات التاريخ العربي المجيد تعرفوا فيها على حكاية الأمير العربي عبد الرحمن بن معاوية، الملقب باسم الأمير الداخل والمعروف ب«صقر قريش».
العرض قدمته فرقة «إنانا» السورية وتضمن لأول مرة مشاهد «رقص طائر» ارتفع فيها الممثلون لنحو عشرين مترا بينما كان الأمير جالسا في ركن المسرح. على أرض مسرح مدينة المعرض القديم، وعلى مدى ساعة وربع الساعة، تسمر الجمهور الذي أكتظ به المكان أمام عرض مسرحي منسوج بالألوان والأساطير، وفرجة مسرحية راقصة عالية المستوى، أمتعت الجمهور، خاصة حين فاجأهم الراقصون بأداء الطيران المسرحي الذي قدم من على ارتفاع تجاوز العشرين مترا أضاف إلى العرض مزيداً من الشاعرية والحرفية.
يروي العرض الذي قُدم على أرض مسرح مدينة المعرض القديم، وعلى مدى ساعة وربع الساعة بلوحاته الراقصة حكاية الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، الذي غادر بلاد الشام مروراً بمصر فالمغرب، ودخل الأندلس فاتحاً وهو في الخامسة والعشرين من عمره ليؤسس لدولة ضمت العرب والأوروبيين ورسمت الملامح الحضارية الأولى للتواصل بين الشرق والغرب، ولتنطلق معه الحقبة العربية الإسلامية في الأندلس التي استمرت لثمانية قرون.
يبدأ العرض مع هذا الأمير الذي شهد له أعداؤه قبل مريدوه، فنراه عبر شاشة سينمائية في إحدى جوانب المسرح طفلاً في الثالثة من عمره يمرح بجانب جامع بني أمية في دمشق، بينما نتذكر نبوءة جده «مسلمة بن عبد الملك» التي تقول بأنه سيعيد بناء مجد دولة الأمويين في المغرب، بعد زوالها في المشرق، ثم نراه وهو في الثالثة عشرة مع جده الخليفة «هشام بن عبد الملك» يأخذ عنه ويتعلم منه.
وتتوالى اللوحات الراقصة التي تصور محطات سفره من الشام إلى مصر ثم تونس هربا من الخليفة العباسي الذي لقب بالسفاح لقسوته مع الأمويين وتنكيله بهم، وبالفعل تتحقق النبوءة بعد رحلة من المصاعب والمتاعب في بادية الشام وغيرها، ويستمر العرض حتى يدخل الأمير عبد الرحمن «صقر قريش»، كما سماه ألد أعدائه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، الأندلس وحيداً على ظهر مركب ويومها سمي بالأمير الداخل.
شكل العرض حالة جمالية عالية ورؤية فنية متكاملة، فكانت الحكاية تقدم نفسها برقصة فاتنة وبإيقاعات حركية مليئة بالإشارات المتوافقة مع العرض، ورسم راقصو إنانا بأجسادهم جوهر الحالة التعبيرية، فالحركات الراقصة ضمن الجمل الموسيقية واضحة بدلالاتها معبرة عن أفكار المشهد وكل حركة مدروسة بشكل كامل، كانت الأجساد ترقص وتطير وتغني وفق أسس ومنهج، الديكور الجميل المترف مادياً والتقنيات الفنية عالية المستوى الدرامي، السيناريو، الإضاءة، الصوت والألحان واختيار الملابس والإكسسوارات كلها جاءت لتغني العرض وتخلق حالة من الإبهار البصري والحركي.
وعن هذه الملحمة المسرحية الراقصة تحدث مدير ومخرج الفرقة الفنان جهاد مفلح ل«الحواس الخمس» قائلاً: «إن أهمية هذا العرض تتجلى في استخدام تقنية الطيران المسرحي للمرة الأولى، ودمجها مع الإضاءة في مسرح مكشوف يعتبر من أكبر المسارح المكشوفة على مستوى الوطن العربي، أوضح مفلح بأن إنانا ستقدم صقر قريش عبر جولة كانت قد بدأتها في قرطاج وستستمر بها عبر الصين ومن ثم الكويت».
جهاد مفلح عمل حتى على الفضاء المسرحي فأدخل تقنية الطيران على المسرح لأول مرة في عروض «إنانا» وحتى في كل العروض المسرحية والراقصة السورية التي قدمت سابقاً، وأضافت هذه التقنية للعرض رؤية فنية خاصة، وضعت المشاهد أمام عمل سينمائي ثلاثي الأبعاد وفضاءً مسرحي مليء بالإيقاعات الحركية.
التاريخ مهم
عدد الحضور يتجاوز الألف مشاهد يومياً، وأعاد هذا العرض الحياة للمسرح السوري وأنعش شباك التذاكر من جديد وخلق تظاهرة مسرحية، وأثنى عدد كبير من النقاد والجمهور على أهمية العروض ذات القصة التاريخية وهو ما يحدث في المسارح الأوروبية ويلقى إقبالا من جمهورها وزائريها.
صقر قريش
سيناريو: ياسر أيوبي، ألحان وتوزيع: محمد هباش، أشعار: علي الرواحي، أزياء فكتوريا الطنجي، تصميم الرقصات: إلبينا بيلوفا، ديكور وإكسسوار: معد الراهب، مراجعة تاريخية: محمد قجة، إضاءة: ماهر هباش، ضيفا الشرف: عادل علي، فاروق أبو الجمعات، الإخراج: جهاد المفلح.
80 راقصاً وراقصة
تأسست هذه الفرقة عام 1990 وسميت إنانا نسبة لآلهة الحب والخصب والجمال عند السوريين القدماء، وتضم الفرقة حوالي ثمانين راقصا وراقصة وقد حققت نجاحا على الصعيد المحلي والعربي.
الفرقة شاركت في مهرجانات عالمية إضافة إلى فعاليات عربية، في الجزائر ومسقط ومهرجان الدوحة الثقافي السادس.
من سجلاتها
وللفرقة أعمال منها هواجس الشام، زنوبيا ملكة الشرق، وجوليا دومنا، وأجراس القدس الدمشقية، عاشقات المجد، السندباد، أمير البحار، وفي الرياضة حفلا افتتاح وختام دورة الألعاب الآسيوية العام 2006 وحفلا افتتاح مهرجان مسقط عامي2007 و2008.
دمشق ـ نهى سلوم


