عم عبده رجل مصري له بشرة من لون النيل، شرب من مائه ولما ارتوى حمل حقائبه وارتحل، لف ودار في دول الخليج أحب أهلها وأراد تكريم شعوبها، رأى التكريم في شخوص رؤسائها وملوكها، ولأنه رسام بالفرشة والمسمار رسم صورهم وزين بها واجهة بوتيك اختار له مقرا من نفس الأجواء، فنصبه في شارع جامعة الدول العربية في حي مهندسين الجيزة، حبه للملوك والأمراء وصلهم في قصورهم لما أهدوهم أصدقاء لهم صورا مرسومة بيده، أمير قطر زاره عند البوتيك وطلب منه رسم صورة له، لكن السائحين أعجبوا بما فعله وتوقفوا أمام البوتيك وتكررت زياراتهم وقالوا له «تبيع»..ومن وقتها عرف تجارة اللوحات المرسومة..
وجه عبدالرازق بخيت عطية «المولود في العام 1947م، ويناديه المقربون إليه ب«عم عبده» يعكس الانتماء لصعيد الوادي، أما قلبه فعربي مائة في المائة، يعتز بهويته، ويعشق كل ما يربطه بها، قضى سنوات شبابه متنقلا بين دول الخليج العربي، وحينما عاد للاستقرار في القاهرة، سخر نفسه لخدمة أصدقائه السائحين العرب. يقصده ضيوفه في «البوتيك» الصغير الذي يمتلكه، والذي لا تتعدى مساحته مترا ونصف المتر طولا وعرضا، والكائن بشارع «جامعة الدول العربية»، إلى جانب الرسم يمارس الحفر الضوئي على جميع أنواع المعادن لعمل الميداليات والأكليشيهات، والأختام والكروت، والتحف والشرقيات.
هواية وتجارة: نجحت الفكرة، وبدأ يتوافد السياح العرب على بوتيك عم عبده، ومنهم أصدقاؤه الذين ارتبط بهم سنوات طويلة خلال عمله في بلدان الخليج، والذين كانوا يهدونه بعض الهدايا ومنها صورا شخصية لزعمائهم، ومعها وجد نفسه أسيرا لهواية اقتناء هذه الصور، يحكي عن نفسه قائلا: «أنا رجل بسيط، أحب الجميع، خاصة الزعماء والملوك العرب، فكلنا عرب، بدأت مهنتي كرسام لفن البورتريه قبل ثمانية وثلاثين عاماً، وعلى الرغم من أن هذا البوتيك الذي أمتلكه صغير جدا، إلا أنه يجتذب العشرات من السائحين، خاصة من دول الخليج، جميعهم من عائلات كبرى ويعملون في مراكز مرموقة، وعلى الرغم من ذلك يأتون خلال أشهر الصيف للجلوس بجواري بالساعات ليس بغرض شراء الهدايا فقط، لكن لتبادل الحديث والسمر.
لم يتوقع أن تتحول هذه الهواية إلى تجارة، فعندما شاهدها زواره من السائحين وطلبوا شراءها، في البداية رفض ذلك،إلا أن بعض الأصدقاء أقنعوه بأهمية الاستفادة من هذا الإقبال على رسوماته،واقتنع بالفكرة.
صور مرسومة
من واقع خبرته الطويلة، يؤكد أن الناس يفضلون الصور المرسومة عن نظيرتها المصورة، لأن الأولى تنقل تفاصيل الوجه بشكل حقيقي، وتكون تعبيراته أكثر دلالة على شخصية صاحبه، فالجميع يرون أنفسهم في صورهم الشخصية المرسومة أكثر جمالا حتى لو كانوا غير ذلك.
تكليف رسمي
عند زيارة »بوتيك« عم عبده، ستجد أنه يقلد أصحاب استوديوهات التصوير، الذين يقومون باختيار أفضل الصور الملتقطة بدقة وحرفية متناهية ليتم عرضها على الواجهة والجدران لأنها تدلل على مهارتهم في التقاط الصور، فعلى الواجهات الزجاجية الأربع للبوتيك عدة رسومات شخصية بعضها لملوك رحلوا وأخرى لحاليين، فهناك صورة لأمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وأخرى لخادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز، تجاورها صورة للسلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان، وأخرى للرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وأخرى للعقيد معمر القذافي رئيس الجماهيرية العربية الليبية، وصورة لملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة.
من بين الصور التي يعتز بها عم عبده صورة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، والسبب في ذلك يكشف عنه بقوله: «جاءني في أحد الأيام مندوب من سفارة اليمن في مصر، وطلب مني رسم صورة للرئيس، لذا أعتبرها من أهم الصور التي رسمتها لأنها جاءت بتكليف رسمي»، لذا فإنه يحتفظ بنسخة منها يضعها في صدر البوتيك منذ أكثر من ثمانية عشر عاما.
وعلى الرغم من أنه يمارس هوايته عادة على الورق المقوى، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت اتجاها آخر تمثل في الإقبال على الرسم على الأقمشة، خاصة من السيدات اللائي يحببن الرسم على العباءات والفساتين، ويذكر أن الفنانة «فيفي عبده» أرسلت له فستانا كي يرسم عليه «بورتريه» لوجهها، وقد أعجبها كثيرا لدقة تنفيذ الرسم وجودته.
الأكثر طلبا
يتذكر عم عبده جيدا يوم وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ويقول طُلبت مني خمس عشرة صورة له، ليس من جانب إماراتيين فقط، إنما أيضا من مصريين ممن امتلأت قلوبهم بمحبة الشيخ زايد، فهناك من طلب صورا له وهو يركب الخيل، أو وهو يمسك بصقر على يده، أو بلباسه العربي التقليدي، لقد كان الشيخ زايد رجلا بمعنى الكلمة، اجتمع الجميع على حبه حكاما ومحكومين.
الإقبال نفسه حدث عند وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، ففي يوم رحيله باع عشر صور، أقبل عليها طلاب سعوديون يدرسون في القاهرة تخليدا لذكراه؛ وهو ما حدث أيضا عند انتقال الحكم في دولة قطر من الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، إلى نجله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حيث أقبلت الطالبات القطريات لشراء رسومات للشيخ خليفة؛ وذلك في العام 1995.
أما عن أكثر الرسومات بيعاً بغير أن ترتبط بوقت أو بمناسبة أو بجنسية معينة، فتتصدرها صورة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، يطلبها أمراء وبسطاء، وبأحجام مختلفة، وقد زاد الطلب عليها بعد نجاح مسلسل «أم كلثوم» الذي قامت ببطولته الفنانة صابرين، واكتسب شعبية عريضة.
الشهرة تتزايد
زادت شهرة عم عبده بين العرب ممن يقصدون القاهرة، ويوميا يفد عليه من يطلب صورة لرئيس أو ملك ، ثم بدأ الناس في طلب رسومات شخصية لهم ولأبنائهم، أو لشخصيات عامة، على سبيل التهادي أو للاقتناء الشخصي على سبيل الذكرى. بل إن صيته ذاع بين الأمراء والملوك في بلدانهم عندما شاهدوا الرسومات التي تحمل وجوههم بعد أن وصلت إليهم من أحبائهم، ما جعل ولي عهد قطر، يأتي إليه بنفسه قبل ثمانية أعوام، ويطلب منه رسم صورة شخصية له.
إضاءة
أكد عم عبدو على أن السياح الأجانب يعجبون بصور الرؤساء العرب المعلقة في واجهة البوتيك ويقبلون على شرائها مقابل مبالغ سخية بالدولار، إلا أن السائحين الأجانب لا يطلبون رسم رؤساء أو ملوك، وبالمقابل عم عبدو لا يرفض رسم الرؤساء الأجانب، عدا صورة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، لأنه يحمل وجهة نظر معينة تجاه هذا الرئيس.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


