عندما ظهرت عفاف راضي على الساحة الفنية في مصر سمع الناس صوتاً بطعم السكر وكانت ليلى مراد وقتها تغرد بصوت من خيوط الحرير، الناس سمعت عفاف راضي باللسان وليس بالآذن، وهذا ما دفع الدكتور خليل صابات أحد أشهر أساتذة الإعلام لأن يقول «عفاف راضي تجمع بين الشرق والغرب في صوتها».

لكن صوتها أصبح قليلاً بعدما أمتعت المستمعين والمشاهدين معاً بأغاني فيلمها الشهير «مولد يا دنيا» مع الفنان الراحل عبدالمنعم مدبولي والفنان محمود ياسين، ويبدو أن الفيلم كان تنبؤاً صامتاً بما سيحدث لساحة الأغنية العربية، فقد أصبحت مولداً بالفعل أو هي «حلبة» فالمطلوب ليس صوتاً جميلاً بل وأولاً عضلات ورقصاً وتنطيطاً. إحساسنا بالغربة في أعراس المدينة كما قال الشاعر «سان جون بيرس» هو ما دفعنا لاستحضار المطربة الكبيرة عفاف راضي من حيث مكانها القصي الذي ارتضته تعففاً أو احتجاجاً على كل ما يقدم في حلبة الأغنية العربية، وهو ما يمكن تسميته «هجوم مغول الأغنية العربية».

فالحديث عن المطربة الكبيرة عفاف راضي يذكرنا بالزمن الجميل الذي مثلته في مجال الأغنية العربية وأن الأغنية كانت وقتها توليفة منسجمة ومتوازنة تبدأ بكلمات جميلة كتبها شاعر يحس المعاني قبل وضعها على الورق فبعدها تشتعل أحاسيس ملحن مبدع ويصيغ لها اللحن لتؤديه مطربة تكون مالكة للقدرات الصوتية لتوصيل مضمون ما كتبه الشاعر الغنائي للمستمع، الذي تتعامل مع ذائقته مثل هذه التوليفة باحترام شديد ليخرج من الحفل تطارده الأحلام بالمستقبل الأجمل. والآن يخرج رواد ما يسمى بالأغنية الحالية من المشاهدة مدججين برغبات متدنية فرضتها عليهم (مغنية) لا تملك أي موهبة ارتدت القليل من الملابس والكثير من الإغراء لتفرض سطوتها على المستمع الذي ينحدر.. وينحدر بما يقدم له إلى الدرك الأسفل.

الأغنية لها شروط: باستعراض أسماء من كتبوا أغاني عفاف راضي ندرك أهمية ما قدمته حتى قبل أن نسمعها، وهذا الأمر ينسحب بالتأكيد على مبدعي ألحان أغنياتها وعلى رأسهم عبقري الأغنية العربية بلا منازع الموسيقار بليغ حمدي، وكان في مقدمة شعراء أغانيها الشاعر والفنان التشكيلي مجدي نجيب والشاعر عبدالرحيم منصور الذي كتب لها كلمات رائعتها الذي لحنها لها بليغ حمدي «راح وقالوا راح»، ومن هم كتاب الأغنية الحديثة؟.. باختصار هم ركاب السيارات الفارهة، ومن هم الملحنون؟ إنهم بالتأكيد ملحنون على استعداد دائم لتلبية أي طلب وتفصيل أي كلمات على أي لحن لأي مطرب أو مطربة ولذلك ظهرت ولقيت الرواج أغنيات مثل «بوس الواوا».

فضاءات عفاف راضي

عفاف راضي قدمت استناداً إلى التوليفة العبقرية المصاحبة لها أغاني حملت هموماً اجتماعية عديدة كان أبرزها غربة أبناء الوطن التي اضطروا إليها بحثاً عن لقمة العيش، وذلك عبر كلمات قال لي أحد الأصدقاء أن والده عندما سمع أغنية «راح وقالوا راح» للمرة الأولى عاد إلى مصر فوراً ولم يفكر بالسفر مرة أخرى، بالنظر لما حملته هذه الأغنية من معاني ومفردات نحت عبدالرحيم منصور في الصخر لصياغتها ولم يتم تأليفها خلال خمس دقائق كما هو جار حالياً، فقدمت في هذا الإطار أغنيات «المواني»، و«وحدي قاعدة في البيت»، و«تساهيل».

مشكلة جيل كامل

لكن ماذا تقول عفاف راضي.. ترى الفنانة الكبيرة عفاف راضي أن أزمة الأغنية العربية لا تكمن في الكلمات أو الألحان أو الأصوات بل هي مشكلة جيل كامل، مشيرة إلى أن كل من يقدم الغناء الحقيقي لم يعد موجوداً على الساحة وطريقه إلى الناس أصبح أكثر وعورة، وتتساءل أين هو عمار الشريعي وحلمي بكر ومحمد سلطان وغيرهم؟

وتضيف: المنتج يسعى للمطرب أو المطربة التي تقدم show ولابد ان تكون مطربة «صاروخ» كما يقولون، أو تغني بالبكيني كما شاهدت على إحدى الفضائيات والتي تدعم هذه الظاهرة وتساعدها على ان تتضخم لأنها تلح على عرض هذا النوع من الغناء الرديء.

وتؤكد عفاف راضي أن ما قد يقدمه المطرب الجيد لا يمكن ان يصل للناس، لأنه لا يعرف كيف يرقص وينط في الهواء وكيف يحتل شاشات الفضائيات، والتلفزيون ساهم في هذه الظاهرة بوضعه «تسعيرة» ساهمت في تدهور الأغنية، انطلاقاً من أن من يريد أن تعرض أغانيه عليه أن يدفع. وتقول عفاف راضي الأغنية أولاً وأخيراً هي «ذاكرة» بالنسبة لمن عايش ميلادها ورواجها، لكن الغناء في كل مراحله يبقى للمتلقي «وجداناً».

تبني المواهب الشابة

تطالب الفنانة عفاف راضي أجهزة الدولة المعنية في مصر بأن تتبنى المواهب الشابة من خريجي المعاهد الموسيقية وان تساعد أصحاب مثل هذه المواهب للوصول للناس لأن هذا يحتاج إلى إمكانيات ولن يتم إلا عن طريقها. وتدافع عفاف راضي عن رؤية خاصة بأنه يجب المحافظة على خريجي المعاهد الفنية وأكاديميات الغناء، بإشراكهم في احتفالات المناسبات الفنية ومن خلال القنوات التلفزيونية والإذاعية والحفلات الراقية، التي تكون حائطاً قوياً ضد القنوات الفضائية التي تبث كثيراً من الفن الرخيص.

الأوبرا هي المكان الوحيد الذي يقدم الفن الراقي والأصيل في زمن انتشرت فيه أغاني «الواو والدح» وغيرهما من الأغاني الرخيصة. إذا كانت الفنانات يؤدين أغانيهن بخلاعة فإني أرى ان معظم المطربين من الرجال تفوقوا على النساء في هز الوسط والعري والخلاعة أثناء تأديتهم للأغنية. الأغنية كانت في الماضي توليفة منسجمة ومتوازنة تبدأ بكلمات جميلة يكتبها شاعر تطحنه المعاناة فتشعل أحاسيس ملحن مبدع يصيغ لها لحناً جميلاً. «مغول» فن الغناء هجموا بشراسة وقدموا مطربات بـ «البكيني».

دبي ـ خالد اللوباني