شهدت الساحة الفنية على مر السنين سباق التتابع بين الفنانين وأولادهم، حتى بات المتابع العادي يتساءل كلما قرأ اسم ممثل أو مخرج عن صلة القربى التي تجمعه بممثل أو مخرج آخر. واليوم، ومع اتساع دائرة الدراما السورية وازدياد عدد العاملين فيها أخذت هذه الظاهرة في التنامي والصعود.
وأكثر ما يلفت النظر في أمر الوراثة الفنية السورية هو اختلاف السوية الفنية لهؤلاء الخلفاء الفنانين حيث اتضحت الموهبة لدى البعض، بينما فشل البعض الآخر، واعتزل من اعتزل وتزوج من تزوج .واستمر من استمر، والتجارب الفعلية أثبتت فشل فنانين دخلوا دروب الفن من باب الوراثة فسقطوا بعدما فشلوا في ابتكار شخصيات خاصة بهم، ولكن هذا لا ينفي وجود آخرين استطاعوا أن يقدموا أنفسهم بصورة مختلفة تحمل خصوصيتهم، والأهم تظهر موهبتهم فنجح بعضهم في ترك بصمته الخاصة وفي مقاربة تجربة أهله حتى تجاوزها.
ومن هؤلاء الخلفاء الفنانين الذين دخلوا مجال الفن أسوة بآبائهم، برزت الفنانة يارا صبري ابنة الممثل والمخرج سليم صبري والممثلة ثناء دبسي، وأثبتت منذ بداياتها أنها تمتلك موهبة وحضوراً، فكانت قادرة على ترك بصمة خاصة تتفرد بها بعيداً عن اسم والديها.
كما لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للفنانة أمل عرفة ابنة الموسيقار والملحن سهيل عرفة، والتي بدأت مشوارها الفني كمطربة لينحسر في ما بعد خطها الغنائي وتتجه نحو التمثيل لتبدع في ما تقدم وتحقق نجومية وضعتها بين ممثلات الصف الأول.
أما الممثل والمخرج سيف سبيعي نجل الفنان القدير رفيق سبيعي فقد حقق في تجربته الإخراجية التي بدأها في السنوات الأخيرة حضوراً مميزاً عوضه عن السنوات العديدة التي ظهر خلالها كممثل لم يستطع الخروج من خانة الممثل التقليدي والعادي.
كذلك الأمر بالنسبة للمخرج الليث حجو، ابن الفنان الكبير عمر حجو، الذي استطاع عبر تجربته الإخراجية التي لم يتجاوز عمرها الزمني خمس سنوات، أن يحقق حضوراً قوياً وأن يصنع لنفسه اسماً، خاصاً على خارطة الدراما السورية.
ولا يختلف الأمر كثيراً مع المخرجة رشا شربتجي، ابنة المخرج هشام شربتجي والتي ارتبط اسمها بشكل كبير مع اسم والدها إلا أن تجربتها الإخراجية كانت تحمل الكثير من الخصوصية والتفرد الذي ميزها وجعلها في الصدارة.
كما لا يختلف الأمر كثيراً مع ديمة بياعة ابنة الفنانة مها المصري وزوجة الفنان النجم تيم حسن والتي على الرغم من قلة إطلالتها الفنية إلا أنها استطاعت أن تقدم حضوراً طيباً انتزعت به الإعجاب.
أما الممثل محمد أل رشي نجل الفنان الكبير عبدالرحمن آل رشي بعد أن قطع شوطاً كبيراً من الناحية الزمنية ليس في جعبته أي دور حتى الآن يبقى في ذاكرة المشاهدين سوى ذلك الشبه الكبير الذي يربطه بوالده في حين لم يترك ظهور الفنانة الشابة رشا التقي ابنة الممثلة الكبيرة صباح الجزائري، في ذاكرة المشاهدين إي انطباع يذكر سوى الشبه الكبير الذي يجمعها مع والدتها حيث تمتلك رشا نفس الابتسامة الساحرة التي تميزت بها القديرة صباح.
أما الحضور الأقوى في الفترة الأخيرة فكان للشاب طارق الصباغ نجل الفنان عبدالهادي الصباغ الذي تألق وحقق حضوراً ملفتاً.
وفي المقابل يوجد في الساحة الفنية الكثير من العائلات الفنية التي ينتمي إليها أكثر من فنان واحد، وتعتبر عائلة جبر من أشهر العائلات الفنية السورية حيث تعد نموذجاً للعائلة الفنية، فقد خرج منها الفنان القدير محمود جبر وزوجته الممثلة هيفاء واصف وابنتيهما «مرح» و«ليلى» اللتين حققتا نجومية بعيداً عن اسم عائلتهما، كما خرج منها نجما الكوميديا السورية ناجي جبر وهيثم جبر.
وهناك أيضاً عائلة زيدان التي قدمت الفنان أيمن زيدان وإخوته وائل وشادي اللذين لم يقدما أي جديد سوى الدوران في فلك عائلة زيدان، وتبقى الآمال معقودة على الشاب حازم نجل أيمن الذي لايزال يتأهل للدخول في معترك الفن بعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية.
ولا يبدو حال عائلة الكاتب والممثل هاني السعدي الذي ظهر مع بناته «روعة السعدي» و«ربى السعدي» في مسلسل (أبو البنات) أفضل بكثير خاصة بعد إعلان ابنته الكبرى روعة قرار اعتزالها للتمثيل رغم قصر عمر مسيرتها الفنية التي كانت تبشر بفنانة واعدة لتخلو الساحة لأختها ربى.
ويبدو أن ظاهرة الوراثة الفنية ليست جديدة على الساحة الفنية حيث لا تكاد تظهر موهبة في أسرة ما حتى تلحق بها أخرى، ولكنها غالباً لا تنال النجاح والانتشار، كما أن الاتكاء على أمجاد الآباء لا يمكن أن يحقق النجاح، فالموهبة هي الأساس للدخول إلى عالم الفن وهي أساس النجاح، فالفن لا يمكن أن يُوَرّث لكنه يولد بالفطرة والفنان الحقيقي لا يستند إلى اسم عائلته بل عليه أن يقدم نفسه برؤية مختلفة تحمل توقيعه وبصمته.
دمشق ـ نهى سلوم

