كان يسعى طوال حياته السينمائية إلى أن يقترب مني ومنك، يغوص في أعماقنا، يزيح الصدأ الذي تراكم بفعل تلوث العصر المادي، عصر السندوتش السريع وصفقات الموبايل وذبذبات مؤشرات البورصة، كان يميل إلى مؤشرات المستقبل ويقدم أفلاما تخاطب العقل والمشاعر.

أفلام إذا تأملنا اليوم تفاصيلها ومعانيها، شعرنا بسعادة بالغة، لأنها من دون أن ندري ستنفض عن كاهلنا غبار المتاعب اليومية والمعاناة الدائمة، لتعلن أن تحت الجلد مشاعر لا تزال حية نابضة، وأننا رغم كل الضغوطات والأزمات نؤمن أن الفن مادة الإنسان، وأن عليه العودة للفن حبا وأملا في حياة أكثر نبلا وإنسانية. كانت أفلام يوسف شاهين السينمائية، تغربل مشاعرنا، وتطرد من أعماقنا القلق والكراهية والعنف، لتستقر بنا على شاطئ نظيف، مغسولا متطهرا، لتساهم في نماء الحب والخير والسلام بداخلنا. وهذا معناه أن نهر السينما لم ينضب، لا يزال متدفقا بقوة، جيل العظماء يسلم وثائق الوداع والخبرة والحكمة، وجيل الشباب يحاول ويبدع ويقاوم ليحمي النهر من التلوث والجفاف.

لم تفقد أفلامه روح المرح والسخرية التي كانت من أهم سمات شخصية (جو) كما كان يحب أن يناديه الجميع، لم يقدم في أعماله خطبا رسمية متشنجة، بل أراد أن يطرح وجهة نظر فنان يشعر بآلام الآخرين، ويفهم ألاعيب الكبار، ويضعنا دائما في موضع الدهشة والتساؤل والتحدي أيضا، تحدي العثور على وسيلة الإنقاذ من هذا المستنقع. وبالطبع هذا الوضع لم يعجب خفافيش الظلام، فكثيرا ما حاربوه وحاصروه وأطلقوا عليه الشائعات، وضيقوا مصادر تمويل أفلامه، ولكنه كان ينجو من ألاعيبهم بأعمال تجعله عاليا كالنخلة المثمرة، كلما قذفوها بحجر أسقطت ثمارا ناضجة، ما يزيد إعجابنا وتقديرنا لهذا المخرج الجريء والممتع.

فهو لا يريد أن يتعطل، كان هدفه أن تفيض أفلامه بالحنين للوطن، وتعكس مشاعر الحب الأصيلة، والتي تنبع منها القدرة على الاستمرار والعطاء. فبعد كل هذه السنوات التي تعدت الخمسين عاما فنا وإبداعا، بقي دائما في حالة لهاث مستمر، من أجل النجاح، فالنجاح عمل إيجابي جميل حققه خارج حدود بلده، لكنه كان يبحث دوما عن النجاح الأجمل داخلها وبين ناسه وأهله. ولم يعد مستغربا توهجه الفني وحيويته التي تواصل بها مع السينما، وحركته السريعة لكي يتقدم الصفوف، ويقف على قمة خريطة السينما العالمية المعاصرة.

اكتسبت السينما العربية من خلال أعماله جوائز مهمة، وكانت بالفعل مجمل أفلامه حدوته مصرية شديدة الثراء ومثيرة للجدل، قاسى عذابات كثيرة وأهمها آلام مرضه، لكنه لم يستسلم، ودون إسفاف أو تهريج أو أية حركة غير محسوبة، احتلت عشرة من أعمالة تصنيف الأهم ضمن 100 فيلم تشكل تاريخ السينما المصرية.

تنوعت أفلام شاهين في مواضيعها فمن أفلام الصراع الطبقي مثل: فيلم صراع في الوادي ـ الأرض ـ عودة الابن الضال ـ إلى أفلام الصراع الوطني والاجتماعي مثل: ـ جميلة بوحريد ـ وداعاً بونابرت ـ إلى سينما التحليل النفسي المرتبط ببعد اجتماعي مثل: ـ باب الحديد ـ الاختيار ـ فجر يوم جديد ـ والتي شكلت تجربة شاهين الفنية والثرية فناً وإبداعاً لينافس بالتالي أشهر المخرجين وليتصدر وبجدارة لائحة الإبداع الإخراجي.

وبعد هذه الرحلة الناجحة يتحول شاهين إلى منحيً سينمائي جديد هو.. سينما الذات.. أو سينما السيرة الذاتية وقدم لها الأفلام التالية: إسكندرية ليه إنتاج1978، ـ وحدوتة مصرية إنتاج عام1982 ـ إسكندرية كمان وكمان إنتاج عام 1990 ـ إسكندرية نيويورك إنتاج عام 2004.

ولا يختلف اثنان من محبي ومتابعي السينما على عبقرية شاهين الإخراجية وتفرده بنمط خاص في الأسلوب الإخراجي، فمعظم النقاد يتفقون على أن أفلاماً مثل ـ باب الحديد ـ الأرض ـ المصير، هي أهم ما أنتجت السينما العربية عموماً والمصرية خصوصاً، وقد اختلف النقاد حول خصوصية صنعة شاهين السينمائية بين معجب ومتذمر. وإذا ما فكر دارس أو مهتم أن يتناول تاريخ السينما المصرية وكشف محطاتها، ومفاصلها الأساسية، وإظهار أعمالها الإبداعية بكل المقاييس العلمية والتقنية، فإن يوسف شاهين ـ المخرج المجنون ـ كما يصف هو نفسه سيحتل الأولوية في عملية بحث التاريخ هذه.. بأعماله وأطروحاته وأفكاره ولمساته الإبداعية في السينما وفي المواقف والرؤى على حد سواء.

يوسف شاهين المبدع الذي قضى من عمره في السينما زهاء ستة عقود من السنين، كان هو الأقدر خلالها، ومنذ فيلمه الأول الذي حمل اسم (بابا أمين) عام 1950، وكان إذ ذاك لم يبلغ الأربعة والعشرين عاماً، على أن يكون مخرجاً متميزاً له سماته وبصماته على فن كان حتى ذلك الحين يعتبر جديداً وطارئاً على الإبداع العربي في مجال المعرفة والتقنيات السينمائية، وعلى الرؤية والثقافة البصرية لغالبية العرب الذين أراد شاهين أن يكون واحداً من المؤثرين عليهم في تغيير النمطية السائدة في التعامل مع كل أولئك الذين وجدوا في الفن السابع (فن السينما) تقليداً للغرب في محاكاة قصص تخلق عالماً أسطورياً أو خرافياً في ذهن المتفرج وحتى عند محبي السينما.

الاسم: جبريل يوسف شاهين

مواليد: 25 يناير 1926

خريج: كلية فيكتوريا في الإسكندرية

أول أعماله: بابا أمين 1950

آخر أفلامه: هي فوضي 2007

أهم الجوائز: جائزة اليوبيل الذهبي لمهرجان كان 1997 عن مجمل إنجازاته

وفاته: الأحد 27 يوليو2008

«صراع في الوادي»

رغم اهتمام شاهين بتصوير أوضاع الفلاح المصري وإشكاليات الصراع الطبقي في القرية إلا أن العمل لم يرسم بدقة الملامح الإخراجية لمخرجه، ولم يأت على مستوى طموحاته.

سنة الإنتاج: 1954

بطولة: عمر الشريف وفاتن حمامة

أهميته: أول فيلم مصري في «كان»

(إسكندرية ليه)

هذا الفيلم خلق تغييراً جذرياً في سينما يوسف شاهين فقدم من خلاله محاولة رائعة للمزج بين العام والخاص، المزج بين التأريخ الفردي وتأريخ وقضايا الوطن وقد تضاربت آراء النقاد حوله.

سنة الإنتاج: 1978

بطولة: أحمد زكي ونجلاء فتحي

تصنيفه: اجتماعي سياسي

«حدوتة مصرية»

تزاوج غريب بين أجواء غرائبية وواقعية شديدة النبرة، حدوتة شاهين مع ثلاث نساء: أمه وأخته وزوجته.. يمزج فيها صبي صغير هو يوسف الذي يخرج من أعماقه ليسأله عن أفعاله في استعادة رؤى مساره السينمائي والحياتي.

سنة الإنتاج: 1982

بطولة: نور الشريف ويسرا

الفكرة: وضعها الكاتب يوسف إدريس

دبي ـ أسامة عسل