إن أردت أن تتعلم الصبر وترويض الذات والتعايش تحت مختلف الظروف والضغوط، فحتماً أنت في حاجة إلى أن تتتبع مسيرة «الصبار» هذا النبات المذهل، الذي يعد من أقدم النباتات التي عرفها الإنسان، وللمفارقة فإنه ـ علميا ـ أحد أجمل أنواع الزهور، عرفه قدماء المصريين وكانوا يحرصون على وضعه في مقابرهم لاعتقادهم أنه يمنح موتاهم السكينة والاستقرار والهدوء في عالمهم الآخر، كما استعملوه دواء لكثير من الأمراض، ولا تخلو كتب رموز الطب العربي أبو بكر الرازي وابن البيطار وداود الانطاكي من فوائده.
قد لا يتوقع كثيرون أن تكون «زهور الصبار» بين أجمل أنواع الزهور في العالم من حيث الشكل.. إلا أن «ثروت بدوي» الذي تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة العام 1973 وتدرج في سلك القضاء العسكري، وأحد أشهر أشهر هواة زراعة الصبار في مصر، أثبت ذلك في مزرعته الكائنة ب«القناطر الخيرية» على بعد 25 كيلو مترا شمال العاصمة المصرية، ويؤمن بذلك عن قناعة تامة. و«بدوي» الذي يهوى أيضا الفن والرسم وتنسيق الزهور جعل من «الصبار» القاسم المشترك في علاقته مع رفيقة دربه وزوجته «نوال الريس» فور زواجهما قبل 32 عاما، عندما أهداهما صديق كتبا عن أنواع الصبار النادرة، وكيفية زراعتها.
ومنذ ذلك التاريخ صارت تقاسمه الهواية نفسها، وترافقه لحظة لحظة في متابعة نمو كل نبتة جديدة قد يستغرق نموها سنوات طويلة، حتى أصبحت تحمل لقب «سيدة الصبار»، ووصل عدد أنواع الصبار في مزرعتهما إلى أكثر من 12 ألف نموذج من الصبار المتنوع والنادر، أي أنهما يمتلكان نصف عدد الصبار المكتشف عالميا الذي يبلغ 25 ألف نوع، وحصدا معا 12 جائزة من جهات مختلفة داخل وخارج مصر. مهمة شاقة: وفي مجتمع يؤمن بفائدة الأشياء المادية لا المعنوية، كان من الطبيعي أن يواجه الزوجان عقبات كثيرة، منها تساؤلات الأهل والأصدقاء عن جدوى زراعة آلاف النباتات عديمة الفائدة، التي لا يشتريها الناس إلا لوضعها على المقابر، فكانت مهمة شاقة أن يغيرا هذا المفهوم العقيم عن الصبار واستخداماته، وأنهما يستثمران في زراعة الصبار النادر والمتنوع، فضلا عن إسهاماتهما في نشر هواية جديدة تنمي الحس الجمالي، وتعمل على تنقية البيئة.
وأن من يقترب من هذا النبات يكتشف العديد من صور الجمال التي يحتويها، تظهر في تكوينات قطعه وأشكاله، فكل قطعة تنفرد عن الأخرى بأن لها شكلا يختلف عن الآخر، وتكوينات فنية أجمل بكل المقاييس من أشهر اللوحات الفنية العالمية، بل ترقى لأن تكون قطعا فنية فريدة يصعب تكرارها. وللصبار ـ بحسب بدوي ـ أشكال عديدة، منها ما يكون على هيئة نجمة، أو «قبعة القس»، ونوع آخر يسمى «عمة القاضي» يكون على شكل كرة خضراء أشواكها صفراء تمتاز بتناسق غريب في ألوانها، كما أن بعض أنواعه تشبه الشمعدان بفروعه المتعددة.
ويوضح أشهر هواة زراعة الصبار أن مزرعته تضم أنواعا مختلفة، منها العادي بأوراقه الوردية الشكل التي يتراوح طولها بين 20 إلى 30سم وعرضها بين 4 .7 سنتيمترات، وتعرف بنهايتها المدببة جدا، حيث تنتهي بشوكة حادة وعلى حافتها أشواك مدببة ولون الورقة رمادي.
أما النوع الثاني فهو «الصبار الافريقي» الذي يتميز بأوراقه القصيرة ذات اللون الممزوج بالأخضر الأحمر، وأزهاره برتقالية اللون. بينما يتميز «الصبار الأسيوي» بساقه الطويلة، وسطحه العلوي لونه أخضر غامق، والأسفل أزرق مخضر، وحافتها عليها أشواك رقيقة.
قصة اكتشافه
وعلى الرغم من أن الصبار موجود في الطبيعة منذ آلاف السنين، إلا أن اكتشافه في العصر الحديث يرجع إلى القرن السادس عشر الميلادي، عندما كان الرحالة العالمي «كريستوفر كولمبوس» في رحلته خارج أوروبا، حيث عثر على مجموعة نادرة من النباتات العجيبة والنادرة قدمها هدية إلى ملكة اسبانيا، التي اعتبرتها من ضمن مجوهراتها الملكية.
ومنذ بدايات القرن الثامن عشر أصيب أمراء أوروبا وروسيا بهوس اقتناء الصبار بأنواعه المختلفة، ثم أصبح بعد ذلك إحدى الهوايات الراقية، فيما تعتبر «أفريقيا، الجزيرة العربية، بيرو، المكسيك، شيلي، البرازيل، أرجواي، وولايات تكساس وأيرزونا الأميركية» موطنا أصليا له.
حماية ذاتية
يمتاز الصبار بقدرته الفائقة على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، ففي المناطق الجافة يكون له أنسجة لحمية مخزنة للماء، وللصحراوي منه شبكة جذور تمتد باتساع كبير لامتصاص المياه . كما تميل بعض أنواعه إلى تقليل عدد الأوراق وتصغير حجمها ، ويمتاز النوع الصحراوي بقدرته على تفادي فقدان الرطوبة بفضل قشرته القاسية، وقدرته على تخزين المياه في جذعه السميك، كما يقي النبات نفسه بمجموعة أشواك للحماية من الحيوانات العطشى التي قد تحاول أن تأكله.
زراعته
أفضل طرق زراعة هذا النبات في الحدائق أسفل الأشجار، أو في المنازل شرط توفير إضاءة صناعية كافية له، ويحتاج هذا النبات إلى تربة خفيفة جيدة الصرف، وتتكون هذه التربة من الرمل الخشن الخالي من الأملاح.
تختلف كميات المياه ودورة الري للنبات من فصل إلى آخر، ففي الصيف يروى مرة كل يومين، وفي فصلي الربيع والخريف يمكن ريه مرة واحدة كل أسبوع، أما في فصل الشتاء فيمكن الاكتفاء بريه مرة واحدة كل عشرين يوما أو شهر.
لا يوجد وقت محدد لزراعته، بل يمكن ذلك في أي وقت من العام، وعند زراعته تخطط الأرض إلى خطوط عرضها 75سم، وتغرس النباتات في الثلث العلوي من الأرض.
يستغرق إنبات بعض أنوع الصبار إلى سنوات عديدة، بينما يستخدم بعضها للزينة واخر للعلاج. فيما تختلف أشكاله وأحجامه بين الكبير والصغير والمتوسط، ولكل نوع منها اسمها واستعمالاتها.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية



