تحدثنا وأسهبنا كثيرا في الحديث عن خفايا مهنة الإعداد التلفزيوني. هذا ما يدركه من كان متتبعا لصفحات «كواليس»، لكن رغم إسهابنا في الحديث عن هذه المهنة إلا أننا لم نتطرق بشكل أو بآخر عن كواليس مهنة تحرير الأخبار، واقتصر حديثنا على المصاعب التي تحتويها مهنة إعداد البرامج التلفزيونية.
لا نخفيكم الأمر.. كانت مهمة البحث عن معد برامج ويعمل في ذات الوقت في تحرير الأخبار، مهمة شاقة تعثرت بعض الشيء في بادئ الأمر، إلى أن وقع اختيارنا على دجى بن فرج معدة برنامج من «المحيط إلى الخليج» في تلفزيون الشروق ومحررة أخبار. الملفت فيها شخصيتها القوية، المرحة وروح الدعابة، وهذا ما يلمسه كل من عمل معها خلال مسيرتها الإعلامية. استقبلتنا بابتسامة قائلة: «عذراً.. مقر التلفزيون صغير نوعاً ما مقارنة مع حجم المعلومات التي يبثها يومياً، لكن أرجو أن تحتفظوا بالهدوء حتى لا نؤثر على أحد من الزملاء خلال عمله. عندها تقصدنا أن نقوم بجولة معها لنتفقد كواليس هذا المكان، وبدأت رحلتنا للتعرف على هذه المهنة.
أخبار مفخخة
قالت المعدة دجى إن عملي لا يقتصر فقط على إعداد برنامج من المحيط إلى الخليج، بل أنا في الأصل مراسلة تلفزيونية، بعدها أصبحت محررة أخبار.
وهذا التخصص في الإعلام يعتبر منطقة ملغومة من الضروري على من يعمل فيه أن يكون ملماً بكل الأحداث ويرى ما بعد الخبر، فما يظهر على شاشة التلفاز هو نتاج عمل متسلسل، وصراع انتقاء الأخبار بين ما يرد من الوكالات العربية ووكالات الأنباء الغربية كرويترز وأسوشيتد برس واليونايتد برس.
وهذه الوكالات تبث بعض السموم في طريقة معالجة الأخبار، وللأسف الشديد هناك بعض القنوات التلفزيونية تقوم بنشر الخبر كما هو من دون معرفة الأبعاد الحقيقية من وراء هذا الخبر أو ذاك، لاسيما وأن إعلام اليوم يساهم في انهيار دول وحكومات دون استخدام رصاصة واحدة، هذه الحقائق ليست مجرد كلمات تطلق وإنما هو الواقع المجرد.
وعليه، من خلال تجربتي الخاصة أسعى دائما للبحث عن أخبار يمكن من خلالها إيصال المعلومة الحقيقية للمتلقي العربي دون دس السموم في العسل كما يعمل البعض. ومن هذا المنبر لا أوجه انتقادات للفضائيات العربية وإنما أتمنى أن تكون هذه رسالة محبة لتوجيه الرسالة الإخبارية للمتلقي بما يخدم القضايا العربية بعيدة عن التزييف والإثارة الفارغة.
مهنة مفرحة
وأكدت دجى أن مهنة المصاعب لا تضم فقط هموم المجتمع والبحث عن الحقائق والتقاطها وتحليل خفايا الأمور، وإنما يوجد هناك جانب مضيء لا يستلذ طعمه الإعلامي إلا بعد فترات طويلة من العمل في هذا المجال، منها على سبيل المثال لا الحصر، بعد قضاء فترة في التحضير لعمل برنامج تلفزيوني أو البحث في قضية تهم الرأي العام العربي.
وإيجاد حقائقها وتنظيفها من الشوائب التي تحيط فيها وإيصالها إلى المشاهد هذه قمة اللذة والاستمتاع بالنسبة للإعلامي النظيف، أما الطامة الكبرى هي عدم قدرة الإعلامي على نشر الحقائق رغم الحصول عليها لسبب ما.
المشاهد ذكي
وردا على سؤال «الحواس الخمس» عن مدى قدرة المشاهد العربي للتفريق بين الخبر الحقيقي من المزيف أو الملوث، قالت دجى إن المشاهد العربي ذكي جدا لدرجة كبيرة على الرغم من استخفاف بعض الإعلاميين لعقولهم.
وهذا بحد ذاته خطأ فادح تقع فيه بعض وسائل الإعلام، لاسيما وأن الكثير يعلم أن الجانب السياسي مهم جدا لدى الشارع العربي وهو غير مسيس كما يخطر للبعض، والدليل على ذلك أن الناس يتناقشون ويتسامرون بما قالته القناة الفلانية عن هذا الخبر أو ذاك.
ويحللون ما بعد الخبر وكل يدلو بدلوه حسب معايير الثقافة والبيئة التي يعيشها، وهذا بالنتيجة يجيب عن سؤال قدرة المشاهد العربي في معرفة الأحداث المزيفة من الحقيقة، لاسيما وأن المشاهد العربي يحفظ الأحداث السياسية ويربطها مع أحداث تاريخية وقعت فيما مضى ويبدأ بالقياس عليها في كثير من الأحيان.
بالإضافة إلى هذا كله فإن عامل الانتقاء الذي يملكه المشاهد وهو «الريموت كونترول» يعتبر واحدا من الطرق الكثيرة التي يمكن للمشاهد العربي تحديد صحة الخبر من عدمه ويستطيع أن يتحكم بالمعلومات التي سيتلقاها وهو صحاب القرار بالتقاط هذه المعلومة عما سواها.
وعلى الرغم من أن المشاهد العربي في الوقت الحاضر أضحى أكثر تثقيفا وانتقاء للبرامج والقنوات من السابق، إلا أن تضليله وإبعاده عن الحقائق مازالت حبكة يستخدمها القائمون على الفضائيات العربية، خاصة إذا كان تمويل هذه الفضائيات من جهات غربية.
نقل الحقائق
وأضافت دجى: حاولنا قدر الإمكان نقل الحقائق من خلال منبر البرنامج السياسي من «المحيط إلى الخليج»، حيث يتناول هذا البرنامج القضايا السياسية العربية وبعض القضايا الغربية المتعلقة في الساحة السياسية العربية، إنه برنامج نحاول من خلاله إيصال وتحليل المعلومات والوقائع التي حدثت على الساحة السياسية العربية من أكثر من منظور سواء أكان ايجابيا أو سلبيا.
ونفتح من خلاله الآفاق لدراسة ما خلف الأحداث، لذلك حرصنا وفريق عمل البرنامج على انتقاء الضيوف بطريقة حيادية يطرح فيها الرأي والرأي الآخر بعيداً عن التعصب والتزمت.
الإعلام بوابة العالم
قالت دجى بن فرج: طموحي النهوض بهذه المهنة السامية التي تعتبر البوابة المفتوحة على العالم والمجتمع، وأفضل نافذة للتعرف عن خبايا وخفايا المجتمعات والشخصيات، مهنة جميلة ولكن عيبها الوحيد أنها تلتئم بالشخص ويصبح مغرما وعبدا لها بها.
أولاد الشوارع
أكدت دجى على أن أهم ما قامت به سلسلة ريبورتاجات عن أبناء الشوارع من خلال عملها بقناة الجزائر الناطقة باللغة الفرنسية بالإضافة إلى فيلم وثائقي عن المسلمين الجدد في فرنسا.
ثقافة واسعة
على محرر الأخبار أن يكون ذا ثقافة واسعة وملماً بما يحدث على الساحة السياسية العالمية والعربية، وأن يعرف كيف يقرأ بين السطور.. كل هذه الأشياء يحصل عليها من خلال المطالعة الكثيرة والاهتمام بما تنقله مختلف وسائل الإعلام، ويمكن الحصول عليها من الوكالات.
دبي ـ فضيلة نجيب

