احتفل السويديون أواخر شهر يونيو الماضي بمهرجان منتصف الصيف Midsummer Festival ، وبلغت الاحتفالات أوجها يوم الثامن والعشرين، الذي كان أطول نهار في السنة هناك، حيث ظلت الشمس مشرقة حتى منتصف الليل.
أما في الشتاء فعلى العكس، يقصر طول النهار إلى حد كبير. وقد كان هذا أول مفاجأة قابلناها عندما زرنا السويد في شهر نوفمبر الماضي كوفد إعلامي، بدعوة من الخطوط الجوية الاسكندينافية SAS ، بمناسبة إطلاق رحلتها الجوية الأولى لها بين دبي وكوبنهاغن عاصمة الدنمارك المتاخمة للسويد.. إذ ما ان وصلنا إلى الفندق الذي أقمنا فيه وسط العاصمة السويدية ستوكهولم حتى رأينا الليل يهبط علينا، فلما نظرنا إلى الساعة فوجئنا بأنها.. الرابعة عصراً، بالتوقيت المحلي! يعشق السويديون أجواء الكرنفالات التي تصنعها احتفالات منتصف الصيف وغيرها من مثل هذه المناسبات، حيث يتدفق الناس إلى الشوارع ألواناً وضحكات وابتسامات ورقصات.
ويتباهى السويديون بأن بلادهم، التي كانت في القرن السابع عشر قوة عسكرية مؤثرة يُحسب لها ألف حساب، لم تتورط في حرب منذ نحو قرنين. وتعتبر السويد، وعاصمتها ستوكهولم بشكل خاص، وجهة مهمة للزوار والسائحين ورجال الأعمال من جميع أنحاء العالم، فضلاً عن أنها ـ منذ ستينات القرن الماضي ـ باتت محطة رئيسية لاستيطان المهاجرين واللاجئين القادمين من فقراء آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. ويزداد نمو هؤلاء يوماً بعد يوم حتى أنهم أصبحوا يشكلون أكثر من 15% من إجمالي سكان العاصمة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة. ولذا فاللون الأشقر والشمالي Nordic الذي تتسم به البشرة السويدية تتضاءل مساحته تدريجياً في الخريطة الديموغرافية والإثنية للبلاد.
في الهواء الطلق
هذه هي العاصمة ستوكهولم.. أجمل طريقة للتعرف إليها والتمتع بها هي أن تجوبها مشياً على الأقدام، فهي أقرب إلى أن تكون متحفاً مفتوحاً على الهواء الطلق.. أبنيتها أقرب إلى أن تكون قطعاً فنية معمارية، وشوارعها ودروبها وحاراتها أقرب إلى أن تكون ممرات في متحف!
ويعتبر الأوروبيون ستوكهولم أحد مراكز الفن والثقافة في القارة، فمنها تنطلق في مطلع شهر ديسمبر من كل عام احتفالية توزيع جوائز نوبل. وتشهد المدينة وقتها حركة غير عادية، حيث يتوافد عدد من أعلام العلم والفكر والأدب وعائلاتهم من مختلف جهات الأرض ليحلوا ضيوفاً على بلدية ستوكهولم ومؤسسة جوائز نوبل التي تُوَزّع في ميادين الأدب والطب والفيزياء والكيمياء والاقتصاد.
حزمة من الجُزُر
يعود تاريخ بناء ستوكهولم إلى العام 1252، وتشير الوثائق التاريخية إلى أن بيرجر بارل أول حاكم لها قد شيدها على عدة جزر صغيرة قرب بحيرة مايلار المقابلة لبحر البلطيق. ويعد العام 1252 أول سنة ظهر فيها اسم ستوكهولم في الوثائق التاريخية، عندما أدى اكتشاف مناجم الحديد في منطقة «برجسلاجن» شمال بحيرة مايلار إلى تحويل ستوكهولم إلى موقع مهم لتجارة الحديد.
والطريف أن الاسم «ستوكهولم» - اشتقاقياً - يتألف من مقطعين: «ستوك» الذي يعني «حزمة متماسكة ومترابطة بعضهاً مع بعض» و«هولم» التي تعني «جزيرة صغيرة جداً islet »، والسر في ذلك أن ستوكهولم قد شُيّدت على 14 جزيرة صغيرة، ويربط بين هذه الجزر نحو 50 جسراً.
ولعل هذا يفسر لماذا أطلق عليها اسم «فينيسيا الشمال»، استعارة من اسم مدينة «فينيسيا» - أو «البندقية» - الإيطالية، التي تعرف باسم «المدينة العائمة». ولئن كانت «البرجولا» هي وسيلة التنقل بين الضفاف في فينيسيا فإنه في ستوكهولم، وعلى ضفاف البحيرات وفي القنوات ترسو أو تتهادى العَبّارات الصغيرة بألوان جميلة تتيح لنزلاء الفنادق الإطلال من غرفهم على بانوراما رائعة من الألوان.
القصر الملكي
ستوكهولم مدينة جميلة تكسوها الخضرة وتملؤها الحدائق، وتنتشر حولها آلاف الجزر الصغيرة. ومن أشهر معالم المدينة القصر الملكي المَنيف، الذي بني على الطراز الإيطالي ويضم حوالي 600 غرفة، وقد شُيّد على مراحل في الفترة من عام 1697 إلى عام 1754.
والجدير بالذكر أن القصر قد بني مرتين، حيث كان البناء الأصلي قد تعرض لحريق كبير ثم أعيد بناؤه حتى تجلى بصورته التي هو عليها حالياً حين اكتمل في العام 1754.
الإطلالة الخارجية للقصر تشدك بلونها البرتقالي المحروق، فيما ترسم لك الصورة المعمارية الكلية للبناء تناغماً رائعاً بين ملامح وقسمات عصر الباروك وعصر النهضة.
أما في داخل القصر فيمكن زيارة متحف الأسلحة الملكية وكذلك معرض مجوهرات التاج السويدي، التي استخدمت في تتويج الملوك والملكات.
الأصالة الساحرة
المدينة القديمة، أو Gamla Stan هي أصل مدينة ستوكهولم، وهي بمبانيها وبيوتها ودروبها الآسرة التي يعود بعضها إلى العام 1255 تعتبر قلب المدينة ودرة أصالتها، ولذا فإن أفضل رحلة استكشاف لستوكهولم يجب أن تنطلق من هنا.
ستوكهولم ـ محمود مرسي


