كانت آخر مرة التقيت فيها بالفنان الإيراني أمير حسين في القرية الإيرانية أيام فعاليات القرية العالمية في دورتها الأخيرة، فهو نحات وخطاط، يصنع الحقائب من جلد البقر، وينحت على الحديد، ويكتب على العقيق والزجاج، ويتفنن في إبراز أجمل اللوحات التي يخطها بالكوفي والثلث والديواني والنستليق.
حينها أخبرني أن هذه هي المشاركة الأولى له في المهرجان إلا أنه عاهد نفسه على دوام المشاركة في السنوات القادمة، لما وجده من جو حميمي وإقبال الناس على ركنه في القرية العالمية، وإبدائهم الإعجاب بالفنون التي يتقنها، إلا أنه في الوقت الحالي خصص أيضا ركنا خاصا في منزله يمارس فيه مهنته المحببة إلى قلبه. يقول الخطاط أمير حسين : «يسمى الخط الفارسي بعروس الخطوط، هذا الخط لا يحتاج إلى تشكيل ولا إلى حركات، الجمال في حروفه وتراكيبه، فأنا أحب الخط الفارسي ولكني لا أستهين ببقية الخطوط مثل الثلث والنسخ، كما أحب جميع الخطوط الكلاسيكية إذا كُتبت بالطريقة الصحيحة، والقواعد السليمة مع التنسيق المتناغم والاتزان المدروس.
ويضيف: أعتبر الخط فناً مقدساً، حيث أختار عبارات لوحاتي أو كتاباتي بعناية فائقة، وغالباً ما يكون هناك ارتباط روحي بين الخطاط وكتابته، فيكتب القرآن الكريم أو آيات منه، ثم يكتب من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلمات لبعض الحكماء، ثم يكتب من الأشعار والحكم وخاصة شعر الغزل العرفاني في الشعر الفارسي. و حينما سألته: من أين تستلهم خطوطك؟..
أجاب قائلا: يبعث فن الخط العربي أكثر من رسالة. فهناك رسالة المحتوى التي تعتمد على النص المكتوب وهناك رسالة الشكل التي تعتمد على جمالية التشكيل، ثم هناك الرسالة الفلسفية التي تعتمد على العوامل الروحية في صياغة موهبة الفنان.
ما يلهمني أولاً هو الجانب الجمالي، فيقوم الشكل عندي بقيادة المحتوى. ولهذا فإني أتأمل الصورة ذهنيا أولاً وقبل الشروع بالتنفيذ، وعلى أثر ذلك يكون بمقدوري اختيار النص الذي يبيح نفسه للتشكيل الجمالي. هناك كلمات أو عبارات معينة تفتقر في تركيبها اللغوي إلى المجال التشكيلي الرحب الذي يحتاجه الفنان للإبداع في صياغاتها، ولا يرتبط ذلك بمعانيها.
فقد يحصل مثل هذا الجمود التشكيلي مع نصوص عظيمة المعنى، ما يجعل مرحلة التصور المسبق هي المرحلة الحاسمة في اختيار العمل الفني. ولهذا فإنني أجتهد كثيراً كَيما أُوَفّق في اختيار النص الذي أرغب تضمينه شريطة أن أجد فيه الطاقات التشكيلية الكامنة التي تنتظر تفجيرها.
كما يوضح أمير أنه يفرق تماما بين الخط والرسم، في تجربته الشخصية لا يريد الخلط بين الخط والرسم. يود أن يراهما في قسمين مختلفين. يريد أن تبقى تجربته في الخط محافظة بشكل أساسي مع مسحة خفيفة من المعاصرة، ليس فقط في الأسلوب، وإنما أيضاً في المواد والسلوك، فلا يزال يستخدم الورق والأحبار والقصب والاكريلك.
أما تجربته في الرسم فهي أكثر معاصرة على الأقل من الناحية الأسلوبية. ومن الجدير بالذكر هنا أنه لا يعاب على من يمزج بين الخط والرسم في لوحة تشكيلية واحدة! فمدرسة البعد الواحد التي أسسها التشكيليون العراقيون قفزة تشكيلية محلية ارتقت إلى مستوى الإبداع العالمي. و يشير الفنان أمير حسين إلى نقطة هامة هي أن المشاهد الغربي يتلقى فن الخط العربي بافتتان اكبر وحماس أشد من المشاهد العربي.
إنه السحر اللامتناهي بالنسبة لديه، وهو النافذة المطلة على فهم الثقافة العربية والإسلامية والتعايش معها. وغالبا ما تكون معارض الخط في هذا المجال أكثر نجاحاً من معارض الرسم والنحت لأن فيها من الخصوصية الثقافية ما يصرخ بالاختلاف والتعددية الحضارية. إنها فرصة أثمن وأندر بالنسبة للمشاهد الغربي أن يذهب لزيارة معرض عن الفنون الإسلامية من أن يزور معرضا في الفن التجريدي المتواجد في كل زاوية من الرواق الثقافي. لقد كانت معارض الخط وما زالت في الخارج تمثل تظاهرات ثقافية كبيرة وتعمل كملتقى للمفكرين والمهتمين بتراث الشعوب الأخرى وثقافاتها وفنونها.
ومن جانب آخر يتقن الفنان الإيراني النحت على العقيق، وصناعة الحقائب والميداليات من جلد البقر، وغيرها من المواهب التي ينظر الشخص إليها بعين الإعجاب والاستحسان.
إضاءة
يؤكد الفنان الإيراني أمير حسين أن الخط أياً كانت هويته وشكله يعتمد على إحساس خطاطه، فالخطوط التي تكتب وترسم بإحساس بشري لها تأثير أكبر وأعمق من تلك الالكترونية الجاهزة، ولذلك من الصعب أن ينقرض أو يختفي الخط العربي وأدواته مهما تطور العصر.
دبي ـ جميلة إسماعيل

