تتميز الرقصات الصوفية عن غيرها من الفنون بأنها غير منفصلة عن الموسيقى الشرقية الكلاسيكية، ومن الصعب إعطاؤها خصوصية أو تعريفاً منفصلاً عن تلك الفنون بالمعنى العلمي الأكاديمي، فهي تتضمن نماذج إيقاعية خاصة تتصف ببطء السرعة والتعقيد.

حيث يمتزج الشعر مع اللحن الذي يبُنى بطريقة هرمية متصاعدة في الروحية والتكنيك، استخدام المرددين أو جوقات المنشدين ليرددوا الجملة الأخيرة من كل مقطع شعري فقط. الموسيقى الصوفية والشرقية متآلفتان ومتقاربتان إلى درجة أن بعض الشعراء الصوفيين يستخدمون أسماء الآلات الموسيقية وبعض الترنيمات لوصف أو ترجمة مشاعرهم التي لها خصوصية. وفي السياق يقول محمد أمين الباحث الفولكلوري بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية: «لقد حرم الفقه الإسلامي الرقص فما كان من الإنسان المسلم إلا أن يتحايل على الموقف ليجد شكلاً ما للرقص وذلك لعدم وجود أمة لا ترقص، والرقص في ارتباطه الأول هو الممارسات الطقسية المرتكزة على أساس عقائدي مثل رقصات استجلاب المطر، ورقصات استجداء الآلهة عند الفراعنة والإغريق، فاخترع الإنسان المسلم «الذكر» رقصة مناسبة له فأصبحت حركات التمايل من خلال الثبات التي نراها في حلقات الذِكر وهى النوع الأول من الرقص الإسلامي وأكثر الطوائف التي استخدمت هذا النوع من الرقص هم الصوفيون، وتعتبر الطريقة المولوية هي أحد أشهر الطرق الصوفية في مصر والتي اعتمدت في حلقات ذِكرها على رقصة التنورة بل إنها هي مخترعة رقصة التنورة، والقصة بدأت بـ «التكايا».

حيث كان كل أمير وشيخ لطريقة من الطرق الصوفية ينشئ تكية وهى مكان يعتبر مضيفة لأبناء السبيل والفقراء والغرباء والدراويش، والدراويش هم مريدو أحد الشيوخ أو الأولياء فكانت تقام في الليل حلقات الذكر داخل التكية، وكانت تكية «جلال الدين الرومى» الذي ولد في 1207 وتوفى 1273هـ. مؤسس الطريقة المولوية الذي لقب بمولانا كلقب تشريفي أعطاه له والده وكان موطنه «قونية» بتركيا، فكان ما يميز هذه الطريقة حلقة الذكر التي اختلفت عن باقي حلقات الذكر فتميزت حلقتهم بالتعقيد والرمزية، حيث يبدأ الذِكر بعمل حلقة لا تقل عن أربعين درويشاً بملابسهم المختلفة الألوان ما بين الأخضر والأحمر والأسود والأبيض ـ ولا ندري سبباً لاختلاف ألوان ملابس الدراويش ـ في البداية يرددون لفظ الجلالة على التواتر، ويقومون مع كل ترديدة بإحناء رؤوسهم وأجسامهم ويخطون في اتجاه اليمين فتلف الحلقة كلها بسرعة.

وبعد فترة قصيرة يبدأ درويش منهم بالدوران حول نفسه وسط حلقة الذكر وهو يعمل برجليه معاً ويداه ممدودتان، ويسرع في حركته فتنتشر ملابسه «تنورته» على شكل مظلة أو شمسية ويظل يدور هكذا حوالي عشر دقائق ثم ينحني أمام شيخه الجالس داخل الحلقة الكبيرة ثم ينضم إلى الدراويش الذين كانوا قد بدأوا يذكرون اسم الله بقوة متزايدة، ويقفزون إلى اليمين بدلاً من الخطو دون أن يظهر أي تعب أو ترنح، بعد ذلك يقوم ستة دراويش بعمل حلقة داخل الحلقة الكبيرة وكل منهم قد وضع ذراعه على كتفي جاريه، ثم يأخذون في الذِكر بسرعة أشد ويظلون هكذا عشر دقائق، ثم يجلسون للراحة وبعد ربع ساعة ينهضون للذِكر ثانية ويضاف هذه المرة شخصان يرقصان وفى يديهما دفوف يدقون عليها في تواتر. ومما هو جدير بالذكر أن طائفة المولوية لها تقاليد خاصة في طريقة لبسها وفى طريقة توظيف حركاتها التعبيرية المصاحبة لآلات موسيقية بعينها، هذه التقاليد ثابتة ولم يحدث فيها أي تغيير ولم يمحها الزمن ولم يحدث فيها أي تطور لا في اللبس ولا في الرقص ولا في الغناء ولا في الآلات الموسيقية المصاحبة.

إن الرقصات الشعبية بكل أساليبها هي نتاج البيئة المحيطة وهي في الوقت نفسه ضرورة للتعبير العاطفي والنفسي والروحي لمجتمعاتها وممارسيها لذا فنحن نجد «الحاناتى» وهو الراقص المؤدي لرقصة التنورة هو المعبر عما يجيش به من مشاعر عن طريق اللف والدوران حول الذات.

وفي حقيقة الأمر أن رقصة التنورة الآن اختلفت عن أصلها الحقيقي وهو ذلك الأصل العقائدي حيث اختلف شكل التنورة المستخدمة فدخلت بها ألوان عديدة لتعطى تأثيرات بصرية تشكيلية على الجمهور أثناء دوران الحاناتى. وتعد التنورة من أصعب الرقصات التراثية المصرية التى تضم التحطيب، الحجالة، التربلة، الأراجيد فهي تحتاج لراقص ذي مواصفات خاصة وبنيان جسماني معين.

لم تعد رقصة التنورة تعكس الجانب الصوفي فقط، فهي اليوم أهم مظاهر الأعراس في مصر مهما اختلفت الطبقة التي ينتمي إليها العروسان، وأحيانا تقدم في الجنوب ويكون «الحاناتى» فوق جواد مستعرضا مدى مهارته وقدرته على التحكم في تنورته المكونة من ثلاث أو أربع طبقات أو تنورات يتم صنعها من القماش الخشن الذي يصنع منه الخيام ليتحمل الاستخدام الشاق له وتيارات الهواء المتدفقة أثناء الدوران، فيبدأ باللف حول نفسه من الشمال إلى اليمين ـ عكس اتجاه عقارب الساعة ـ ويكون ذراعه الأيمن متجهاً إلى السماء والأيسر إلى الأرض وكلما زاد صوت الإيقاع يزيد من سرعة اللف فيشعر بأنه ارتفع عن الأرض فيبدأ بخلع سترته العلوية «الصديري».

وغالباً ما يكون أحمر أو أخضر من الساتان ثم بعد ذلك يبدأ في فك التنورات وكل واحدة يقوم بتحريكها بكافة الأشكال حول خصره وبكلتا يديه وإلى اليمين والى اليسار وأعلى وأسفل وهكذا حتى يتجرد من جميع التنورات ومع التنورة الأخيرة يقوم بتطبيقها على شكل مولود إشارة إلى ميلاد العالم وبداية الخليقة بانفصال الأرض عن السماء، ثم يتناول خمس دفوف ملونة يحركها بين يديه ويشكلها تشكيلات مختلفة مع استمراره في الدوران دون توقف ولكن بسرعات مختلفة، ويمكن أن يكون بجواره اثنان من الحاناتية أصغر منه سنا، وغالبا لا يكون شاعرا بما يدور حتى لفظ الجلالة في نهاية الرقصة يكون قد تحول إلى (آأأه) من فرط الانتشاء والذوبان في حب الله.

فالحاناتى هو رمز الأرض مركز الكون وهى تدور حول نفسها بينما تدور الكواكب الأخرى حولها وتتمثل الكواكب في الحاناتيين اللذين يرقصان بجواره وهما (الشمس والقمر) ويكون الدراويش من خلفه والذين يقومون بنقر الدفوف بعدد الكواكب بالمجموعة الشمسية، وتصبح الحركة من اليسار إلى اليمين هي حركته الشروق والغروب، أما عن الذراعين فأحدهما سماوى والآخر أرضى وهنا يكون الحاناتى هو (الإنسان) نقطة التقاء الأرض بالسماء قبل الخليقة وقبل انفصالهما عن بعضهما البعض.

فالتنورة دائما تصنع من طبقتين يقوم بفصلهما أثناء اللف والطبقتين هما الأرض والسماء، والتنورة في بداية الرقصة تعنى العالم قبل انفصال الأرض عن السماء وقبل بداية الخليقة وبوصوله لمرحلة خلع التنورات فهو بذلك يرتقي ويرتفع وكلما تخلص من تنورة تخلصت من تعلقه ويتنقل إلى الشق السماوي، فهو الأصل في النقاء التام وصفاء الروح، لذا فمن الصعب بل يكاد يكون من المستحيل أن يستطيع إنسان عادى أن يمارس رقص التنورة.

إضاءة

فيلم «ألوان السما السبعة» بطولة ليلى علوي وفاروق الفيشاوي استفاد من العالم الصوفي واستخدم أبيات شعرية لجلال الدين الرومي تمجد الرقص وتجعل منه أساساً لخفة الجسد والروح في إشارته إلى التواصل مع الذات الإلهية والاندفاع نحو السمو من خلال الاستفادة من رقصة التنورة الصوفية الشهيرة مستنداً فكرة السمو وانحدارها إلى ملذات الجسد عند الراقص التي جسدها فاروق الفيشاوي والحياة الصاخبة التي عاشتها ليلى علوي».