في لحظة تأمّل عميقة لحركة الكون، أحسّ عالم الفيزياء الأميركي فريتغوف كابرا أنّ الفضاء الخارجي ليس سوى رقصة كونية عملاقة، وأن الفيزياء هي الوجه الآخر للتصوف الشرقي.
للوهلة الأولى، بدا الأمر مجرد تمرين فكري أقرب إلى الشطح الصوفي منه إلى الحقيقة العلمية، لكن بعدما تعمّق كابرا في قراءة الفلسفة الصوفية ولغز الرقصة الدائرية، اكتشف أنّ التفكير العقلاني التحليلي هو مرآة للخبرة التأملية للحقيقة الصوفية، وكتابه «طاو الفيزياء» الذي صدر باللغة الإنجليزية، قبل أن يُترجم إلى معظم لغات العالم، كان محاولة مبكرة لردم الهوة بين التفكير العلمي الغربي والفلسفة الصوفية. فالصلة بين الفيزياء والتصوف ليست فكرة خرقاء، كما كان يعتقد بعضهم، بل هي حلّ لألغاز علمية كثيرة.
يوضح كابرا أنّ الثقافة الغربية «فضّلت القيم والمواقف الذكورية، وأهملت نظائرها المكمّلة أو الأنثوية، وفضّلت توكيد الذات على حساب الاندماج، والتحليل على التركيب، والمعرفة العقلية على الحكمة الحدسية، والعلم على الدين، والتنافس على التعاون»، خلافاً للفكر الصوفي الذي يقوم على العبور إلى ما وراء الأضداد (الجمال والقبح، اللذة والألم، الخير والشر، الحياة والموت)، ما أوصل الثقافة الغربية إلى أزمة أخلاقية وروحية وأفرز لاحقاً سلسلة من الحركات الاجتماعية المناهضة.
ويذكر جان دورين الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي في مقدمة كتابه «السماع الروحي في التقليد الصوفي»: «السماع في التقليد الصوفي هو الاستماع إلى الموسيقى بهدف بلوغ حالة النشوة الروحية أو كما يعبر عن ذلك المتصوفة (تغذية الروح).فالأمر إذن يتعلق بتقليد احتفالي للموسيقى والإنشاد في طقوس معينة إلى حد ما». فلب الموسيقى الصوفية روحاني.. إنها موسيقى تأمل تحتوينا بمستوى مختلف الدرجات لتشكل حالة خاصة ومتفردة لدى المتلقي. ويرى الفنانون الصوفيون انه لا يمكن لإنسان أن يدري ما سيولد من البذرة المدفونة في أعماقه، فصوت الناي وحده يمكنه أن يبوح له بذلك أو ربما صوت الأوقات الضائعة التي كان يلتحم فيها بالنبات والحجر والمياه والنجوم فتتبدد ذكرى هذا الالتحام عند الميلاد. ولكنه حينما يسمع من خلال الصمت تصاعد أولى أنغام الناي يخامره الحنين ويتذكر ذلك الجزء المفقود.
وبالعودة إلى بدايات الصوفية نجد أنها تدور في فلك وحدانية الله. ومن المثير أن نذكر أن عنصر الحب الإلهي قد دخل في الواقع إلى الصوفية التي خرجت من رحم الحركات الزهدية على يد رابعة العدوية العراقية، (ت ـ 801 م) التي كانت تقول إن عبادة الله لا يجب أن تكون خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة، بل لجماله السرمدي وكما قال أيضا، الإمام علي (كرم الله وجهه): «إلهي.. ما عبدتك خوفا من النار ولا طمعا بالجنة لكنني رأيتك أهلاً للعبادة».
وقد كان مقدراً لفكرة الحب هذه أن تتخلل الصوفية في ما بعد، حباً خالصاً مكرساً للخالق المتجلي في كل شيء. ويشهد القرآن الكريم على وجود آيات الله «أينما تولوا ثمة وجه الله. فكل شيء ينطق بعظمته وحكمته وإبداعه، وظهرت الصوفية التي تستمد إحدى معانيها من كلمة «صوف» العربية، وهي (رداء الزهاد الصوفي) بعد حوالي قرن على وفاة الرسول محمد (ص) (632 م).
وتقلبت في أشكال عدة من بغداد إلى اندونيسيا إلى غرب أفريقيا حيثما حط المسلمون الرحال في تلك البلاد. وكانت الموسيقى ومازالت تشكل عنصراً مهماً في الطقوس الصوفية التي تعتمد على الوزن الشعري والصورة الدينية التي يوحي بها المتصوفة في ملاحمهم وأشعارهم امثال ابن عربي والشيرازي، وفريد الدين العطار والحلاج وغيرهم.
ويصف الصوفي الهندي «عنايت خان» قانون الموسيقى بأنه قانون الحياة، وحس التناسب، وشريعة الانسجام التي تحقق التوازن، إنه القانون الكامن وراء جميع مظاهر الحياة، الذي يحافظ على سلامة هذا الكون ويتبين غايته القصوى في جميع أرجائه، محققاً غرضه.
ويرى أن «الموسيقى هي كل ما يمكن لوجداننا أن يدركه حتى الآن من الصورة الكبرى ويرى حافظ الشيرازي الشاعر الصوفي أن (موسيقى) الأغانيَ والإيقاعات الصوفية ورقصاتِ التواجد ما هي إلا تصرفات رمزية ومشاعر لإيقاعات الخلود المنتَظِمَة مع جذوة المحبة المشتعلة على الدوام في قلوب العارفين.
ولذا كان لها ذلك التأثير الروحي الذي يؤدي إلى إفاضة مشاعر الرحيق الإلهي الخفي في شرايين المخلوقات قاطبة، فتنجذب إلى الله بمحبة تُجَسِّرُ الهُوة بين الظاهرية»، فلا غرور إذن في أن نجد، بناء على ما تقدم، أن الموسيقى قد تكون خير وعاء لتجسيد عمق الروحانية الصوفية وقوتها
متفرقات
«درويش»: هي كناية عن الأشخاص الذين انتسبوا للطرق الصوفية داخل الطريقة الصوفية والذي يبلغ درجة «ده ده ليك» وهي أعلى الدرجات التي قد يصل إليها المنتسب القديم للطريقة المَولويّة.
في مدينة قونيا ـ عاصمة الدولة السلجوقية 1237 /1299م ـ الواقعة في جنوب تركيا، ظهرت الموسيقى الصوفية في بساطتها الأولى على أيدي دراويش الطريقة المولوية ينشدون قصائدهم من المديح والثناء على الرسول علية الصلاة والسلام وفي صحابته الكرام وآل بيته.
الشاعر الصوفي الكبير، جلال الدين الرومي يرى ان «الصوفية» عمقت العبادة بالدفء وفتحت القلوب للجمال الإلهي فقد وضع تعريفا شعريا بمفردات مباشرة للتصوف بأنه «إحساس القلب بالسعادة حينما يدنو وقت الحزن».
الطرق الصوفية السودانية لم تفارق الدين كثيرا لكنها ربطته بمكونات الثقافة المحلية، ومن ضمنها الميل الإفريقي لفن الرقص. بترديد الأناشيد الدينية بإيقاع خاص إلى جانب الاحتفاظ بالمغزى الديني من خلال العلاقة الروحية بالفناء المفتوح وباحات أضرحة الأولياء.
دبي ـ رشا عبدالمنعم



