احتفل العالم يوم الجمعة الماضي الخامس والعشرين من يوليو بالذكرى الثلاثين لولادة أول طفل أنابيب. ويعتبر الخامس والعشرون من يوليو العام 1978 حدثا فريدا غير مسبوق ونقطة تحول في عالم الطب بولادة لويس جوي براون، أول طفلة (بل وأول طفل أنابيب على الإطلاق في المملكة المتحدة وفي العالم. واعتبر العلماء هذا الحدث فتحا علميا استثنائيا وانتصارا لكل من الطب والعلوم.

ورأى الأطباء في هذا الحدث العلمي، وبعد تلك العملية الناجحة أن العقم، الذي أحزن الكثير من الأسر وأصاب مئات الألوف من الزوجات بالاكتئاب وحالات من اليأس، مرحلة منتهية من حياة البشرية وأن الأفق بات مفتوحا لتذليل العقبات أمام الكثير من الأمهات اللواتي يرغبن بالحمل، وإن كانت الطريقة اصطناعية. والمعروف أن الملايين من الزوجات يبذلن جهدا كبيرا للحمل في كل عام، ولكن لسوء الحظ فإن الكثيرات يفشلن في تحقيق هذا الحلم الكبير الذي تبنى عليه دعائم الأسرة السعيدة. وقبيل نجاح عملية ولادة طفلة الأنابيب لويس براون، كانت تلك النسوة، ونسبتهن 20 في المئة من النساء المتزوجات، يفقدن الأمل في الإنجاب.

والمألوف أن الحمل يحدث عندما تطلق خلية بويضة من المبيض وتنطلق عبر الجهاز التناسلي للمرأة وتنتظر حتى تلقح من نطفة الرجل. وتواصل البويضة المخصبة رحلتها وتخضع الخلية لجملة انقسامات. ومن ثم تستقل في رحم المرأة، وتعجز المرأة عن الحمل عندما يحدث انسداد في قناة فالوب لأن البويضات تعجز عن المرور عبر قناة فالوب للوصول إلى مرحلة التخصيب. لم تكن مرحلة الوصول إلى تقنية التخصيب خارج الرحم مسألة سهلة فقد عمل الدكتور بارتك ستيبتو، وهو طبيب نساء في المستشفى العام الحكومي في مدينة أولدهام والدكتور روبرت إدواردز من جامعة كامبريدج بجد على اكتشاف حل بديل للحمل منذ العام 1966.

وعلى الرغم من نجاح الطبيبين ستبتو وإدواردز في إيجاد طريقة لتخصيب بويضة خارج جسم امرأة لكنهما واجها مشاكل بعد إعادة البويضة المخصبة إلى رحم المرأة. ولكن بحلول العام 1977 كانت جميع عمليات الحمل بالتخصيب ناتجة عن التقنيات الطبية التي استخدماها (وبلغت 80 عملية حمل) وذلك في غضون بضعة أسابيع، وهي فترة زمنية قصيرة. ولكن قضية ليسلي براون باتت مختلفة عندما نجحت في حملها بعد مرور بضعة أسابيع على عملية تخصيب البويضة خارج الرحم.

الأبوان ليسلي وجون براون

كان الزوجان ليسلي وجون براون شابين مقيمين في مدينة بريستول، ولكن الحزن خيم على حياتهما لأن ليسلي أخفقت في الحمل واستمر هذا الوضع بعد مرور 9 سنوات على زواجهما. ولم تيأس ليسلي بل حجزت لنفسها دورا للخضوع لعملية التخصيب بعد أن أمضت سنوات وهي تحاول الحمل وانتقلت من طبيب لآخر دون أن تحقق نجاحا. وتم تحويلها إلى الدكتور باتريك ستيبتو في العام 1976. وفي العاشر من نوفمبر العام 1977 خضعت ليسلي لعملية تخصيب بويضة منها ونطفة من زوجها في أنبوب اختبار.

واستخدم الدكتور ستبتو مسبارا يحتوي على إضاءة ذاتية يطلق عليه «لاباروسكوب»، وهو أنبوب طويل ورفيع تمت بواسطته سحب بويضة من إحدى قناتي فالوب عند ليسلي ووضع الدكتور إدواردز البويضة في محلول خاص تم ابتكاره ليتوافق مع طبيعة البويضة عندما تبدأ بالانقسام.

قبل ذلك كان الطبيبان ستبتو وإدواردز ينتظران حتى تنقسم البويضة المخصبة إلى 64 خلية، بعد حوالي أربعة أو خمسة أيام. ولكن في هذه المرة قررا إعادة البويضة المخصبة إلى رحم ليسلي بعد يومين ونصف اليوم فقط من التخصيب.

وخلال المراقبة الدقيقة أظهرت ليسلي أن البويضة المخصبة استقرت والتصقت بجدار الرحم. وفيما بعد باتت الأسابيع تتلاحق سريعة ومرت أشهر دون حدوث أي مضاعفات، وبدأ العالم يتحدث في تلك الفترة عن إجراء طبي لم يسبق له مثيل بكل ذهول.

المشكلات الأخلاقية

منح نجاح عملية التخصيب والحمل عند ليسلي الكثير من الأمل لمئات من الزوجات غير القادرات على الحمل. ولكن على الرغم من أن الآلاف رحبوا بهذه العملية على أنها فتح طبي وعلمي كبير، فإن فئة أخرى لم تخف قلقها من احتمال وجود تداعيات مستقبلية.

ولعل السؤال الأكثر أهمية كان ما إذا كانت تلك الطفلة ستحظى بحياة صحية جيدة. واعتقد أطباء أن وجود البويضة خارج الرحم ليومين يمكن أن يلحق الضرر بها. وتساءل نفر من الأطباء ما إذا كان من حق الوالدين إذا كانت لديهما مشكلات في الحمل أن يتلاعبا مع الطبيعة لجعل الحمل مسألة ممكنة. وساور الأطباء قلق أيضا حول إمكان أن يولد طفل الأنابيب مشوها أو غير سليم البنية، ورأوا أنه في حال حدوث ذلك فإن المسؤولية ستقع هذه التقنية الحديثة، وما إذا كانت هي السبب في ذلك.

ولكن السؤال الكبير الذي طرح نفسه في تلك المرحلة كان: هل يقف الأطباء عائقا دون إجراء عمليات التخصيب لإعطاء فرصة لحياة جديدة بهذه الوسيلة المبتكرة. وقال هؤلاء ان الأطباء قد يرفعون العديد من البويضات من مبيض الأم ولكنهم قد يتخلصون من بعض تلك التي خضعت للتخصيب أيضا.

وفي إطار التكهنات الكثيرة التي برزت تساءل أطباء ما إذا كان بالإمكان اللجوء لتلك التقنية عن طريق إيجاد أم بديلة لحمل البويضة المخصبة، في حال فشل الأم الحقيقية في احتضان البويضة المخصبة. وقد تنبأ الكاتب الكبير ألدوس هيكسلي بالمستقبل عندما وصف مزارع التوليد في كتابه «عالم جديد شجاع».

الموجات فوق الصوتية

خلال فترة حمل ليسلي كانت تخضع لمراقبة دقيقة، ويشمل ذلك استخدام الموجات فوق الصوتية وسحب سائل السلي من مشيمة الأم. وقبل حلول اليوم التاسع على دخولها فترة الولادة أصيبت ليسلي بارتفاع في الضغط، وقرر الدكتور ستيبتو أن يولدها مبكرا باللجوء إلى العملية القيصرية.

نجاح

حياة ناجحة وطبيعية

تعمل لويس براون حاليا موظفة بريد، وعملت في السابق في مركز لرعاية الأطفال في بريستول. تزوجت لويس براون في الرابع من سبتمبر في العام 2004 وأنجبت طفلا ذكرا في العشرين من ديسمبر العام 2006، وكانت عملية الولادة طبيعية.ولد طفلها في بريستول وكان وزنه أقل من 3 كيلوغرامات.

ومنذ أيام قليلة احتفلت لويس بعيد ميلادها الثلاثين، وكما في مثل هذا التاريخ من كل عام اجتمع عدد كبير من أطفال الأنابيب للاحتفال بهذه المناسبة الكبيرة. منذ ولادة لويس عن طريق التخصيب الخارجي بلغ عدد أطفال الأنابيب الذين ولدوا بهذه الطريقة 29 ألف طفل.وبالمقابل بلغ عدد أطفال الأنابيب في العالم أكثر من 200 ألف طفل، وعلى الرغم من انتقال هذه التقنية إلى دول كثيرة فإن الطبيبين روبرت إدواردز وباتريك ستيبتو يظل الفضل لهما في فتح هذه الآفاق العلمية الحديثة في عالم الحمل والولادة.

لمعلوماتك

أطفال الأنابيب لعلاج حالات تأخر الحمل

يمكن تعريف إخصاب البويضة بالحيوان المنوي في أنبوب الاختبار بعد أخذ البويضات الناضجة من المبيض لتوضع مع الحيوانات المنوية الجيدة فقط بعد غسلها حتى يحصل الإخصاب. ثم تعاد البويضة المخصبة (الأجنة) إلى الأم، تستغرق هذه العملية من يومين إلى خمسة أيام وهذه الطريقة تسمح باختيار أفضل الأجنة لنقلها إلى الأم بعد إخصابها خارج الرحم.

وتعطي كذلك مجالا أكبر لاحتمال الحمل في الدجورة الواحدة لأنه يمكن نقل أكثر من جنين واحد إلى داخل الرحم. وينبغي الإشارة إلى ضرورة البدء بإعطاء العلاج لأطفال الأنابيب وأن تجرى فحوصات مختلفة للزوج والزوجة للتأكد إذا كانت هناك أسباب تعوق الحمل، ومعرفة إذا كان بالإمكان العلاج بطرق أبسط وهذه الفحوصات تشمل فحص الدم وفحص الرحم وفحص الحيوانات المنوية وقناتي فالوب.

الحالات المناسبة

بداية، من الضروري أن تكون الزوجة قادرة على إنتاج البويضات كما أن الزوج قادر على إنتاج الحيوانات المنوية. أما الحالات المناسبة للعلاج بطريقة أطفال الأنابيب تشمل: السيدات اللواتي تكون قناة فالوب لديهن مغلقة أو تالفة بحيث لا تسمح للحيوانات المنوية بالوصول إلى البويضة لإخصابها. السيدات المصابات بمرض البطانة الرحمية بعد استئصاله جراحيا لزيادة فرص نجاح طفل الأنابيب. السيدات ما بعد سن الـ 35 عاما لتمكنهن من الحصول على طفل حيث تكون فترة التجربة أمامهن قصيرة الأمد.

الرجال الذين يعانون من العقم نتيجة نقص أو قلة حركة الحيوانات المنوية حيث توضع الحيوانات المنوية في مكانها الصحيح وفي أقل وقت ممكن ومع البويضة مباشرة. الرجال الذين تتولد لديهم أجسام مضادة للحيوان المنوي.

حالات العقم غير معروفة السبب.

دبي ـ محمد نبيل سبرطلي