المنطق والعقل يقولان إن الخبر والكتاب يتم تصنيعهما في مطبخ، وهذا المطبخ يُفتَرَض أن تتوفر فيه الآليات والمتطلبات لهذه الصناعة الراقية، فالخبز وقود المعدة ولا غنى عنه، أما الكتاب فهو ثقافة الشعوب، يرتقي فيها وبها، لكن واقع هذه الصناعة التي تشبع المعدة والعقل إما أن تكون مجرد مادة «لَتّ وعَجن»، أو ربما صناعة تغيير مجرى تاريخ الشعوب.

في الواقع حديثنا بعيد عن الخبر وصناعته لنرتقي إلى غذاء الفكر، ما هي كواليس هذه المهنة؟ وكيف يتم صناعة هذا الغذاء؟ ما هي طقوسه؟ وما هي معايير الكاتب المحترف؟ دفعنا الفضول للتعرف على خفايا هذه المهنة لتلتقي «الحواس الخمس» الكاتبة ومعدة البرامج في قناة «روتانا خليجية» مريم محيي الدين ملا، لتكشف الستار عن كفاحها الطويل مع الكتابة والشعر، التي طالما رافقها في كل حل وترحال. وقد استهلت حديثها بأن الكتابة الأدبية على اختلاف أنواعها وأشكالها تعتبر أمانة في أعناق حامليها، كونها تاريخاً حقيقياً ينقل بشكل أو بآخر القضايا اليومية التي تحيا بها الشعوب بغض النظر عما إذا كانت هذه الرواية أو تلك منقولة من الواقع أو من وحي خيال الكاتب أو الروائي، إلا أنها في نهاية المطاف قصة تستحق أن تُروى وأن تقرأها الأجيال القادمة.

طقوس الكتابة

وتقول مريم مُلاّ: «تختلف طقوس الكتابة من كاتب إلى آخر، على الرغم من أن أدوات الكتابة الملموسة واحدة فهي لا تحتاج إلى أكثر من ورق وقلم، إلا أن هاتين الأداتين تعتبران من أخطر الأدوات فتكا في العالم وقد تكون قنبلة ذرية تنفي ما قبلها، وتغير مجرى التاريخ، لاسيما إذا كانت هذه الرواية نقلا حيا لما جرى في التاريخ.

خاصة وأن البعض يعلم بأن التاريخ على وجه الخصوص له وجهان، وجه يُكتب ليسطر إنجازات الحكام وآخر ينقل معاناة الشعوب وهذان الوجهان ربما يتفقان أحيانا ويختلفان بأخرى، وفي كلتا الحالتين يعتمد الكاتب على اللغة العربية الفصحى القوية التي تعد أحد الأسلحة التي يعتد فيها الكاتب.

إنه يحصن نفسه أولاً بإتقان اللغة العربية ومعاني مفرداتها ومواقعها، ثم يصنف العمل الذي سيشرع في كتابته، فإذا كان رواية ستتحدث عن وقائع تاريخية فمن المفروض أن يقوم بالقراءة واستقصاء الحقائق من الميدان عن طريق سؤال الأشخاص الذين عاشوا في هذه المرحلة من الزمن، أما إذا كانت الرواية بعيدة عن الواقع فيتم الاعتماد بالأساس على خيال الكاتب، وقدرته على نقل الفكرة الرئيسية التي يسعى إلى إيصالها للقارئ.

مراحل الكتابة

وتستطرد مريم ملا متحدثة عن مراحل الكتابة فتقول: يبدأ الكاتب بالبحث عن فكرة الموضوع الذي سيكتب فيه، ليكون قالب الرواية أو القصة والتي تعتمد على المقدمة التي يرسم فيها الطريق للقارئ، ومن ثم الحبكة أو عقدة الرواية ليختتم القصة بنهاية قد يرسمها الكاتب أو يدعها لخيال القارئ.

بعد تكوين الفكرة التي سيكتبها الكاتب، تفتح المعاناة أبوابها لتحتضن الراوي، لاسيما وأنني واحدة من الكتاب الذين يتقمصون شخصيات الرواية وإن كانت من وحي خيالي، فأشرع في تطبيق هذه الشخصيات على أرض الواقع بالبحث عن أناس يشبهون بشكل أو بآخر أبطال الرواية سواء في أشكالهم التي كونتها وكتبتها في القصة أو يحملون ذات المعاناة أو الحياة التي تجسدها القصة، وبما أنني لا أخلق طقوسا معينة في الكتابة، لقدرتي على رسم أحداث القصة في أي مكان أرتاده، في البيت والمقاهي والشارع وعلى أوراق الصحف والمناديل، بالإضافة إلى أنني لا ألزم نفسي بوقت محدد للانتهاء من هذه القصة أو تلك.

فقد تستمر مراحل الكتابة لسنوات طويلة وهذا ما حصل فعلا في قصائد «شظايا نافدة» المكون من 114 قصيدة التي استمرت كتابتها ما يقارب أربع سنوات كانت نتاج زيارة لعواصم بلدان لها ثقلها الثقافي والوجداني بنفسي مثل باريس وبرلين وعمان والقاهرة وختاماً في عاصمة الجمال دمشق.. كل هذه المرحل والطقوس إذا أردتم تسميتها هكذا، تؤزمني نفسياً وأضيع فيها بين الشخصيات الحقيقية والخيالي، لتولد في الختام قصة أو رواية وحتى شعر يرى النور وربما يقرأ أو يبقى رقما على رفوف المكتبات.

لكن هذا الصراع مع الكتابة لا ينتهي مع ختام القصة لأن الكاتب يجلس مترقبا لنقد العمل، كي يجيب القارئ والنقاد عن ردود أفعالهم حول القصة، وهل حقق الكتاب مراده في دخول القصة إلى أعماق القراء أم لا؟ هذه كلها مراحل لا تنتهي من المعاناة.

المرأة والكتابة

وردا على سؤال «الحواس الخمس» حول ما إذا كانت المرأة عندما تكتب تجتر أوجاعها وهمومها الذاتية تكون بعيدة عن الموضوعية والحيادية ونقل الواقع الحقيقي أو معاناة الآخرين.. قالت مريم ملا: «هذا كلام لا يحتوي على أي نوع من المصداقية وهو جائر بحق عقل المرأة، وليس له أي نوع من الواقعية، بل يمكن القول - وهو الأصح - إن المرأة العربية عانت في مجتمعات عديدة من الكبت الاجتماعي والثقافي، ورغم هذا استطاعت أن تترك بصمات عديدة في مكتبات الأدب العربي.

واستطاعت أيضا أن تضيء شمعة في النفق المظلم الذي وضعت فيه سنوات طويلة، من خلال الصالونات الأدبية التي عملت على إحيائها على سبيل المثال، وبجانب هذا وذاك استطاعت المرأة العربية من اقتحام عالم الصحافة والإعلام وإيجاد طرق مختلفة لتنقل معاناة الواقع السياسي الذي يمر فيه المجتمع، وأقرب مثال على ذلك «روز اليوسف» التي أدخلت مع جملة من المبدعين النقد السياسي اللاذع بطريقة ساخرة.

اضاءات

1 ـ كتاب «زمن الصبر».. كان أمنيتي أن يرى النور كما اليوم، كونه تجسد مسيرة المغفور له الشيخ زايد آل نهيان، حيث اعتمد في كتابته على وقائع تاريخية حقيقية والتقيت بشخصيات مهمة عاشت تلك الحقبة المهمة في تاريخ الإمارات.

2 ـ «أمومة وغربة» كان أول محاولاتي في الكتابة والذي تم تصنيفه على أنه تربوي، سردت خلاله الشعور بالأمومة منذ اللحظات الأولى وحتى بلغت طفلتي 15 عاما من عمرها، وهي تجربة واقعية يمكن لأي أم الاطلاع عليها والاستفادة منها.

3 ـ «الليل الأبيض» هذه الرواية تعتبر الأولى في تصنيفها، هي قصة خيالية، لكن فكرتها مستوحاة من الواقع الذي نعيشه. تدور أحداث القصة حول تبدل وتفكك العلاقات الاجتماعية التي نعيشها في الوقت الحاضر.

4 ـ «شجرة التين» الذي تم نشره في عام 2005 يتحدث عن شعب النكبة والفترات العصيبة التي عاشها الفلسطينيون خلال بداية الانتكاسة، وكانت تحتوي على قصة حقيقية منتقاة من الواقع الفلسطيني.

دبي ـ فضيلة نجيب