نتفق أن التقاعد مرحلة ليست طبيعية، ومفتوحة على النهايات، ومرحلة إشهار ببلوغ الستين عاما بالتمام والكمال، لكن الدخول في التقاعد لا يعني عدم القدرة على العطاء، فالكثير من المتقاعدين مفعمون بالحيوية والنشاط ولا يزالون بكامل صحتهم، ويمتلكون من المعارف والخبرات ما لا يمتلكه غيرهم.
كما تعتبر مرحلة التقاعد فرصة جديدة لممارسة الهوايات القديمة التي أهملت بسبب الضغوط المهنية، لتتحول بعض تلك الهوايات إلى وسائل لقتل الفراغ القاتل، وتساهم في الوقت نفسه في توطيد عرى التواصل مع أفراد الأسرة وتكوين علاقات اجتماعية جديدة، وتصبح أيضا حرفة ومصدر رزق تدر على المتقاعد مردودا اقتصاديا لا بأس به.. (الحواس الخمس) التقى بعضهم وحاورهم وكانت السطور التالية. يقول علي محمد آل علي (معلم لغة عربية): أوشكت على التقاعد ـ فلم يظل أمامي في الخدمة سوى سنة فحسب ـ والآن أعد العدة لاستقبال هذه المرحلة من عمري بإيجابية. مشيرا إلى أنه سيستثمرها في ممارسة هوايات نافعة ومفيدة من ضمنها تأليف كتاب في اللغة العربية وفتح موقع إلكتروني يعنى باللغة العربية وتعلمها. كما سيتمتع بقضاء وقتٍ أطول مع الأسرة والأصدقاء.
أما عيسى عبد الله المازم ـ متقاعد من جهة حكومية بدبي فيشير قائلا: المتقاعد يستطيع الخروج من عزلة التقاعد بممارسة الكثير من الهوايات والأنشطة الرياضية والاجتماعية وغيرها. فأنا مثلا عملت مع أكثر من صحيفة محلية مترجم أخبار وتقارير. كما التحقت بصالة رياضية لممارسة بعض التمارين والألعاب الرياضية والالتقاء بالأصدقاء. (أم فهد) ربة بيت تجيد فن الرسم أو ما يعبر عنه بالفن التشكيلي كهواية تمارسها أثناء الفراغ، ولكن عندما اضطر زوجها لتقديم التقاعد المبكر بسبب حادث أقعده عن الحركة والقيام ببعض المسؤوليات المناطة إليه من جهة عمله. فاضطرت إلى المساندة والدعم وعدم ترك زوجها في هذه الظروف.
فبراعة زوجها (بوفهد) في الخط كان بداية الطريق نحو الاستثمار والإبداع في مجال آخر، ليس فقط ليحقق ربحا مادياً ولكن ليحقق ربحاً فنياً، فزوجها يمتاز بملكة الخط العربي الجميل، وكان يساهم في خط لوحات الأبناء في المدارس وكتابة الآيات والأحاديث والإعلانات، فبات الناس يتوافدون على منزله ليخط لهم أبهى الكلمات بعربيتنا الأصيلة. وأدلت (أم فهد) بكلمات رائعة حول هذا الموضوع قائلة: إن المرأة يجب أن تصبر على زوجها بعد تقاعده حتى لو كان حنّانا، فالرجل الكتوم يمرض بسرعة من كثرة التفكير على عكس من يفضفض. وليس كل المتقاعدين ثرثارين مثل ما تقول بل هناك من يعتبر التقاعد فرصة لتعزيز العلاقة الزوجية، لا أن بعض الزوجات والأبناء يتضررون من رب الأسرة بعد تقاعده وذلك لأنه في أغلب الأوقات يكون معارضاً لهم في كل شيء بخلاف إذا كان تحت مسؤولية العمل فهو لا يهتم بهم.
«نهلة عبيد علي» معلمة متقاعدة استثمرت مهنتها كمشرفة في إحدى الجمعيات النسائية التي تعلم الخياطة والأعمال الفنية، فأحضرت كافة المواد المطلوبة لتنفيذ هوايتها التي تحولت إلى مشروع كبير، وقامت بعمل جميع مستلزمات غرف النوم ومفارش السفرة وأغلفة الهدايا وأطقم الستائر وتغليف التحف وتطريز المفارش والصناديق المختلفة. وحققت ثروة بفضل الله وبسبب ثقة زبوناتها بعملها الرائع.
وهنا تشير بقولها: إن استثمار المهنة والتعامل معها كهواية ومصدر رزق جعلني احترف العمل بشغف فاق احترافي الوظيفي السابق وهو ذكاء اقتصادي تتطلبه الحياة مع مراعاة الضمير في الكسب والربح بجانب شغل وقت الفراغ الذي قد يحدث بعد التقاعد والذي أرى آثاره السلبية على بعض صديقاتي المتقاعدات واللواتي تفرغن بداية للنوم ثم الكسل وما يخلقه من رتابة واكتئاب بينما وجدت ذاتي مرة أخرى وتعرفت على أناس لم أكن لأعرفهم في مجالي الوظيفي السابق.
استثمر «حامد عبد القادر الحمادي» جزءاً من مستحقاته كاستثمار في مشروع ورشة نجارة وأخرى كهرباء كشريك مع صديق مقرب يعمل في نفس المجال سابقا. ولم يكتف بالشراكة المادية، بل كان يقضي معظم وقته في العمل في الورشة لأنه يحب هذه النوعية من الحرف، وكان من الأشخاص الاجتماعيين المحبين للناس وخدمتهم مما زاد من حركة العمل في الورشة واستفاد الشركاء منه كثيراً فاستغل صداقاته في العمل كدعاية أثمرت بالدخل الجيد على الجميع مما عزز من معنوياته. وبذلك يشعر الحمادي بأنه قد تخطى مرحلة التقاعد بعمل جديد أصلاً كان هواية يزاولها ولعله أفضل من عمل المكاتب والذي أبرز الترهل مقارنه باللياقة الجسدية التي يحظى بها الآن.
وفي هذا الإطار يؤكد الحمادي: الوطن بحاجة لعقولنا، فطريقنا في هذه الحياة كان طويلاً جداً ما بين العمل والكفاح والإبداع والإخلاص. فيجب الحرص كل الحرص على التواصل مع المتقاعدين، واستثمار خبراتهم، وتفعيلها في هذه الحياة، وألا تكون في عالم النسيان، ونأمل كثيراً النظر في نظام التقاعد بما يرغب هذه العقول البشرية من حب العمل ومواصلة العمل في كافة الميادين التربوية والعلمية والعملية، حتى لا يكون همها التطلع إلى التقاعد المبكر، فتذهب هذه الجهود المباركة مبكرة.
إضاءات
1 ـ يعتبر متقاعدون أن حياة التقاعد تساهم في زيادة علاقتهم بأسرهم وخلق أجواء أكثر أريحية مع أبنائهم والمحيطين بهم، ويؤكدون في الوقت ذاته أن التقاعد فرصة لبدء حياة جديدة، ولا يمكن للمتقاعد فيها أن يقف عند حد معين أو ينتهي نشاطه.
2 ـ يرى بعضهم أن المتقاعد لابد وأن يخطط لبرامج عائلية لتبعد عنه حياة الملل والرتابة التي غالبا ما تتصف بها حياة المتقاعدين الذين لا يبارحون البيت ولا يجدون لهم أنشطة وهوايات تشغلهم عن جو المشاحنات.
3 ـ تذكر حمدة البلوشي ـ ربة بيت أن تقاعد زوجها كان بداية لحياة جميلة ربطت بينهما، حيث قاما معا بممارسة هوايات مشتركة كالسفر والقيام برحلات مختلفة جددت حياتهما ولم تترك للروتين مكانا. فالتخطيط الجيد يساعد على جعل وتيرة الحياة تسير بطريقة ممتعة.
4 ـ إبراهيم محمد يحيى لم يسلم نفسه لحياة التقاعد، بل مارس هواياته المفضلة، كصيد السمك. ومن هذا المنطلق أعد برنامجا يسعده ويسعد عائلته في نفس الوقت.
دبي ـ جميلة إسماعيل



