تتواصل أنشطة مهرجان أفينيون في دورته الحادية والستين حيث يتميز برنامج هذا العام بكثرة العروض الأوروبية في مهرجان المسابقة الرسمية IN، كما ذكرت لنا أورتنس أرشمبو مديرة مهرجان أفينيون IN.

من هذه العروض اخترنا العروض التالية: عرض ستيفترز دينغ Stifters Dinge للمخرج الألماني هاينر غوبلزHeiner Gobbles الذي يقدمه على خشبة مسرح الشارتروز La Chartreuseفي فيلنوف لي أفينيون التي تقع خارج مدينة أفينيون القديمة على الطرف المقابل لنهر الرون. يتميز هذا العرض بطابع حداثي، حيث أن الآلة تشكل الممثل الوحيد على الخشبة. على هذه الخشبة توجد ثلاثة أحواض تُملأ بالماء لدى بداية العرض، وفي عمق الخشبة توضع آلات موسيقية ثبتت بشكل يشبه الغابة، حيث أن المخرج يضع بضعا من أغصان الأشجار بين هذه الآلات. ما من عازف يحرك الآلات الموسيقية (بيانو، أورغ) وإنما يتم التحكم الآلي عن بعد. وتتخلل العرض تسجيلات صوتية حوارية يتحدث فيها شخصان ويطرحان أسئلة حول الموسيقى و الفن المعاصرين. وهنا فإن المتفرج يجد نفسه أمام عرض موسيقي الهدف منه هو خلق حالة صوتية مختلفة بحيث يتم التفاعل مع هذا الابتكار الموسيقي.

هذا النوع من العروض يطلب من المشاهد التفاعل معه حتى يتثنى له الإمساك بالمفاتيح الضرورية لفهمه، فلابد للمتفرج من الربط بين حركة الآلات والإسقاطات الضوئية المتلاحقة على الأحواض و بالتالي فإن هدف العرض هو تشكيل لوحة فنية متماسكة تجمع تداخلات الصوت والضوء والإيقاع. في نهاية العرض تتقدم الآلات الموسيقية المثبتة على خطوط حديدية باتجاه المشاهدين فتتولد حالة غليان للماء المستقر في الأحواض. وعند عودة الآلات إلى موضعها يبدو مشهد الماء المغلي طريفاً وقد ظهرت منه فقاعات بيضاء نتيجة انحلال الرمل المستقر في قاع الأحواض.

الموت والحياة... هاينر غوبلز من الأسماء المعروفة في مجال الموسيقي الإلكترونية، فقد سبق له أن ألف مقاطع موسيقية لمخرجين كبار مثل ماتياس لانغوف، نونفيلز، هاينر ميللر. وهو يعترف بفضل الكاتب ميللر على أعماله حتى أن عمله الأخير ستفتر دينغ مستوحى من أعمال هذا الأخير. العرض الثاني أورديت Ordet (الكلام) للكاتب الدنمركي كاج مونك ومن إخراج المخرج الفرنسي آرثر نوزيسيل Arthur Nauzyciel الذي يستقبله مسرح الكارم طيلة شهر يوليو الحالي. وهذه هي المرة الأولى الذي يقدم هذا النص على الخشبة في فرنسا حيث سبق للمخرج درير Dreyer أن أعده للسينما هام 1954. في هذا العرض يحافظ المخرج على أفكار الكاتب الرئيسية التي تعالج فكرة الموت و الحياة لدى جماعتين مختلفتين الأولى متدينة والثانية علمانية. تدور الأحداث في منزل عائلة تعيش في الريف حيث يمثل الأخ العلمانية في حيث يمثل الأب والخوري فريق المتدينين.

بالرغم من هذه المسرحية تعالج فكرة الدين أيضاً والقناعات التي يؤمن بها أفراد الجماعتين إلا أنها ليست دينية بل إن المخرج يسعى عبر الحواريات المتقابلة بين الأشخاص المختلفين بالرأي أن يجسد فكرة الاختلاف. وهكذا فالمتفرج يجد نفسه أمام عالمين كل واحد منهما يرى الحياة بنظرة مختلفة، حيث أن المخرج يريد التفريق بين العلمانية والإلحاد على حد تعبيره.

هذان المصطلحان يتعرضان لخلط كبير حتى أن الناس لا يفرقون بين ملحد و علماني. فالمسرحية تحيي نوعاً من التساؤل حول معنى الوجود و الحياة في عالم مختلف الأفكار و المشارب، حيث كل يتشبث برأيه وهنا فإن المخرج يريد القول إن الاختلاف ليس بالضرورة إنكاراً للآخر بل اغناء لوجوده.

في عرض تراجيديا رومانية Tragédie Roumaines يقدم المخرج الهولندي إيفو فان هوف Ivo Van Hove إعداداً لثلاث مسرحيات شكسبيرية كوريولون، يوليوس قيصر، أنطوان و كليوباترة وذلك ضمن عروض مهرجان أفينيون NI أن يستمر العرض مدة ست ساعات دون أن يفقد الممثلون طاقاتهم وقدرتهم على التمثيل يعني أن هذا العمل محكم الإخراج وقد أعد له طويلا . فالمخرج فان هوف يشير إلى أن 1500 شخص شاركوا في إعداده.

جمهور على الخشبة

في اللحظات الأولى للعرض يفاجأ المتفرج بإيقاع الموسيقى الصاخبة التي توحي لجو الحرب حيث يتوضع عازفان على يمين و يسار الخشبة يقرعان الطبول و الآلات الإيقاعية التي تزيد من سعير الحرب و تهيئ المتفرج للأحداث التراجيدية التي تزدان بها مسرحيات شكسبير. من الناحية التقنية تكاد خشبة مسرح جيرار فيليب (التي يصل عرضها إلى أربعين متراً و عمقها إلى عشرين متراً) متخمة بالديكور الحديث.

حيث تكثر الأرائك الفخمة الرمادية اللون. وقد تم وضع تلفزيون مقابل كل أريكة بحيث يتسنى للجالس على تلك الأريكة متابعة العرض حيث أنه منقول على شاشة كبيرة نُصبَت فوق الخشبة إذ يقوم أحد التقنيين بتصوير مشاهد المسرحية. فالمتفرج يرى الممثلين ثلاث مرات: مرة أمامه ومرة على الشاشة ومرة على التلفاز.

في بداية العرض يقف أحد الممثلين ويدعو الجمهور للتوجه إلى المنصتين الموجودتين على يمين ويسار الخشبة بحيث يمكنهم تناول المشروبات والأطعمة أثناء العرض فيقوم المتفرجون بالمشاركة في العرض لمدة قصيرة من الزمن بحيث يتسنى لهم الصعود على الخشبة والدخول في منطقة تحرك الممثلين و بالتالي يتم تصويرهم وعرض حركتهم على الشاشة الكبيرة.

ومن هنا فإن الخشبة تزدحم بالجمهور الذي راح يشارك الممثلين في أدائهم في جو احتفالي مختلف عن العروض الأخرى. يرى العديد من المتفرجين أن وجود هاتين المنصتين يشكل عيباً من عيوب الإخراج. إلا أن المخرج فان هوف يبرر هذا التفصيل بنيته خلق نوعا من التفاعل بين الجمهور والعرض الأمر الذي يؤوله الكثير من المتفرجين للطابع التجاري الذي بات يجتاح كل شيء في المهرجان عاماً بعد عام حتى وصل إلى تخوم خشبة العرض الخشبة.

هناك أيضاً عرض «داس سيستم» Das System أو (هذا النظام) للكاتب الألماني فالك ريختر والمخرج الفرنسي ستانيسلاس نوردي Stanislas Nordey. يتميز هذا العرض بحدة نقده للسياسة الأميركية وللنفاق الذي تمارسه على الدول والمنظمات الدولية بغية الهيمنة على مقدرات الشعوب. على خشبة مسرح «بنو دوز» يبدأ ممثل بعرض الحالة السياسية في العالم فلا يتورع عن الاستهزاء بالرئيس الأميركي جورج بوش وتعريته واصفاً إياه بالعاهر و بمجرم الحرب...

وهنا فإن هذا الممثل يقدم عرضا وافياً للحالة السياسية في عالمنا اليوم الذي يأكل فيه القوي قوت الضعيف، فهو يطيل الكلام عن حرب العراق والويلات التي يتعرض لها الشعب العراقي المحتل.

هذا التقديم من شأنه التذكير بكرامة الإنسان العراقي التي تهدر بين أروقة مجلس الأمن وغطرسة الولايات المتحدة الأميركية التي احتلت بلدا آمنا عنوة وبالإكراه، ضاربة بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الدولية. وبعد أن يضع ذلك الممثل المتفرجين في صلب الحالة السياسية يغادر الخشبة ليدخلها خمسة ممثلين وممثلان يقفان مقابل الجمهور و يوجهان الكلام إليه مباشرة.

باريس - منتجب صقر