فيلم «حسن ومرقص» الذي عرض مؤخرا وحقق خلال أقل من شهر من تاريخ بدء عرضه إيرادات ضخمة كعادة أفلام عادل إمام، ولكنه على عكس كل أفلامه جاء هذه المرة مثيرا للجدل، خاصة أنه تصدى لقضية اجتماعية وسياسية لها خصوصيتها، والاقتراب منها يحتاج إلى رؤية كاملة وإلمام بمختلف خبايا هذه القضية التي تتعلق بالطائفتين في مصر ـ مسلمين ومسيحيين.

الفيلم تأليف يوسف معاطي وإخراج رامي عادل إمام بطولة عادل إمام، عمر الشريف، محمد إمام، لبلبة، حسن مصطفى، هناء الشوربجي، وعدد من الممثلين الشباب، وبلغت تكاليف إنتاجه حوالي 30 مليون جنيه مصري.والقصة تدور حول رجل دين مسيحي يدعى «بولس» يحارب المتطرفين المسيحيين الذين يسعون لإثارة الفتنة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين في مصر، لتصبح حياته مهددة من هؤلاء، فيهرب بعد أن منحه رجال الأمن اسما آخر هو حسن العطار، ومن الجانب الآخر يأتي عمر الشريف ليأخذ عزاء أخيه الذي توفي مؤخرا، فيأتي للعزاء جماعة من المتطرفين ويفاجئونه بأن أخيه أوصى قبل مماته أن يتولى هو أمير الجماعة الإرهابية، ولكنه يرفض ويتعرض إلى محاولات اغتيال، ويهربه الأمن بعد أن منحوه اسما آخر لرجل مسيحي وهو مرقص، ويلتقي الاثنان خلال رحلة هروبهما، وتتكون بينهما صداقة، ومن هنا تدور الأحداث.

وعلى الرغم أن هناك عددا من النقاد وصفوا الفيلم بأنه هادف ومباشر يدعو إلى الوحدة الوطنية بين الأقباط والمسلمين من خلال تعرضه لهذه القضية بخفة شديدة وجرأة في التطرق المباشر للموضوع وتعرية الازدواجية التي تحملها الشخصية المصرية تجاه هذه القضية، إلا أن البعض من النقاد اعتبروا الهزل الذي تناول به الفيلم قضية بمثل هذه الحساسية في المجتمع المصري لم تكن موفقة، ما أدى ذلك إلى عدم التعمق في جذور مأزق الوحدة الوطنية سياسيا واقتصاديا وتاريخيا وأمنيا.وأبدى النقاد ملاحظاتهم بأن الفيلم بدأ بعقد مؤتمر الوحدة الوطنية، وبرزت مشاهد من خلال حوارات فردية بين رجال الدين من كل طائفة فيما بينهم وتظهر بينهم بعض الخلافات، وفي جانب آخر حوار بين رجال دين مسيحي يتحدثون عن عدم حصولهم على حق بناء كنائس أو السماح لهم بترميم كنائسهم وحرمان أبنائهم من الحصول على حقهم في وظائف الدولة، والحوارات من نوعية (وحدة وطنية إيه.. إذا كان أصلاً مافيش أي مساواة ! ده بتحصل 100 مشكلة لو كنا عاوزين نبني كنيسة أو حتى نصلحها..

وكفاية ان الأقباط في مصر مش ممكن يتعينوا في المناصب المهمة، شوف مثلاً فيه كام وزير أو محافظ مسيحي.. بس في النهاية مافيش حاجة غير أحضان وبوس وما فيش أي حلول لمشاكلنا!).هذا الحوار دار بين اثنين من الجانب المسيحي.

في المقابل قدم الفيلم حوارا آخر دار بين اثنين من رجال الدين الإسلامي يتحاوران وهما في طريقهما لنفس المؤتمر، حيث يقول أحدهما للآخر: (مضطهدين قال!..

الأقباط مش مضطهدين ده إحنا اللي مضطهدين، ده كل ما نبني جامع يبنوا قدامه كنيسة.. ده ثلاثة أرباع فلوس البلد معاهم.. وكل مديري البنوك والشركات الكبيرة ورجال الأعمال أقباط، ثم عمرك شفت شحات مسيحي!) ويدخل رجال الدين الأربعة في النهاية لقاعة المؤتمرات، حيث يعقد مؤتمر للوحدة الوطنية، ويهتفون جميعا «يحيا الهلال مع الصليب» مع كل كلمة يلقيها المتحدثون في المؤتمر.

واعتبر عدد من النقاد هذه المشاهد لم تكن موفقة بل الفيلم نفسه كعمل فني لم يضف جديدا في المعالجة من خلال تناوله للشخصيات المسيحية والمسلمة، وكذلك الأجواء الرسمية التي شهدتها قاعة المؤتمر، بالإضافة إلى الحوارات بين الطرفين باعتبار أن تلك المشاهد تثير أجواء من الكذب والنفاق الاجتماعي.

وكأن الفيلم يريد أن يؤكد بأنه لأكثر من 50 عاما تنعقد هذه المؤتمرات، ولم تتحقق الوحدة باعتبار أن المؤتمرات نشاط مظهري وغير مجد، ونلاحظ أيضا أن الفيلم بهذه التوليفة والمزيج من الهزل والجد لم ولن يحقق ما فشلت فيه المؤتمرات الرسمية.

فيما جاء رأي الناقد السينمائي المعروف رفيق الصبان في الفيلم بأنه الأفضل في تناول هذه القضية المعقدة، حيث أكد أن عادل إمام بهذا الفيلم يفجر أمامنا هذا الشهاب السينمائي الذي أضاء سماء الساحة السينمائية خلالها نورا بفيلم لا حد لذكائه وشفافيته وتأثيره وتسلله إلى شراييننا ممسكا بكرة من لهب يتلاعب بها بين أصابعه الواعية بذكاء وحرفية تثير الدهشة والإعجاب.

وقال الصبان في تناوله للفيلم إن صورة القبطي في السينما المصرية كانت ولا تزال كالشوكة، فلا هي قادرة على التعبير عنها بشكل حيادي ولا هي قادرة على إثارتها بكل ما تحمله من سلبيات وإيجابيات أو تركها، ولذلك اختارت أسهل السبل وهي تجاهلها تماما، وعدم الإشارة إليها إلا لماما في أفلام لا تذكر، ولكن عادل إمام ترك الصرخة تنطلق من الحنجرة عالية - هادرة ولا ننكر دور يوسف معاطي مؤلف الفيلم وذكاء حواره وجمال مواقفه ورقته في بناء هذا السيناريو الخلاب.

نقاد آخرون اعتبروا الفيلم أنه أشبه بالمرايا الذي يشاهد المتفرج نفسه من خلالها وكأنه أحد شخصيات الفيلم كل من حيث فكره الذي يعتنقه، واعتبروا أن التجربة في مجملها لا تخلو من الجرأة في التناول خاصة أنها جاءت من خلال كوميديا صادقة.

القاهرة: دار الإعلام العربية