فيلم «شيفرة دافنشي» عن رواية بنفس العنوان للمؤلف «دان براون» ولمن لا يعرف تتحدث الرواية عن عالم في علم الرموز الايقونية هو «روبرت لانجدون» تستدعيه الشرطة الفرنسية لحل أحد الألغاز حول مقتل أمين متحف اللوفر جاك سونيير بعد أن حاول إرسال إشارة عمن قتله عن طريق استعماله لبعض الرموز الدينية في اللحظات الأخيرة قبل موته.
تبدأ رحلة روبرت لانجدون عندما يلتقي بعالمة رموز فرنسية هي صوفي نوفو تعمل مع الشرطة الفرنسية وهي بنفس الوقت حفيدة جاك سونيير وتبدأ رحلة الاثنين في محاولة تقصي سلسلة أسرار تقودهم إلى الاستدلال على جماعة تدعي السيون كان من عناصرها حسب الرواية «اسحق نيوتن وفيكتور هوجو وجان كوكتو والأهم الرسام الايطالي ليوناردو دافنشي». وتدعي هذه الجماعة أنها لا تزال تحافظ على سر كبير يمكن أن يهز عرش الكنيسة ويعيد كتابة تاريخ المسيحية من جديد، وهو أن السيد المسيح كان متزوجاً من مريم المجدلية وكانت حاملا منه عندما تم اعتقال السيد المسيح وسافرت إلى مرسيليا.
وهناك وضعت مولودها فعاشت بحماية هذه الجماعة التي تركت بعضاً من أفكارها حول هذه القصة عن طريق التماثيل واللوحات الفنية التي كانت لوحة العشاء الأخير التي رسمها ليوناردو دافنشي احد تجلياتها. وأصبح من ذريتها عائلات استلمت مقاليد الملكية في فرنسا والنمسا وان هذه العائلة لا تزال موجودة وهي تسعى إلى حكم أوروبا كلها بعد توحيدها. قام روبرت لانجدون حسب الرواية بفك الأسرار ضمن جو صعب من المواجهة.
فالفاتيكان المتضررة من هذا السر تعطي الأوامر لأفراد من جماعة أوبوس داي الدينية المتعصبة لتصفية هذه الجمعية، فيصلون إلى قائدها الذي هو جاك سونيير حالياً ويتابع روبرت لانجدون متابعة حل كل الأسرار الغامضة إلى أن يفاجئنا أن آخر من بقي من سلالة مريم المجدلية لم يكن سوى صوفي نوفو، التي تعود إلى جماعة السيون ليحموها ويصونوا دمها الملكي. طبعاً هذا تلخيص بسيط لرواية تتجاوز الأربعمئة صفحة مثيرة بسرد بوليسي لم يتورع عن استخدام أسماء مثيرة في روايته من مثل دافنشي وكوكتو وميتران واتهم جمعيات حقيقية مثل «الاوبوس داي» ليحاول إقناع القارئ بتصديق الرواية هذا بالإضافة إلى الإثارة المتحققة للقارئ عندما يقارب عالم الرموز وألغازه.
دفعت شركة «سوني بيكشرز» للكاتب دان براون ستة ملايين دولار من أجل تحويل الرواية إلى فيلم وكلفت «جولدسمان» مهمة كتابة السيناريو ورون هاورد الحائز على الأوسكار بإخراج الفيلم، والممثل الكبير توم هانكس في دور لانجدون والممثلة الفرنسية أودري توتو في دور صوفي نوفو.
حاول السيناريو أن يكون أميناً للرواية فنقلها بشكل متواز تقريباً وهنا بدت مشكلة الفيلم فالرواية بنمط التعاطي معها تترك للقارئ الخيال في الاكتشاف والتمعن في بعض الألغاز وهذا ما لا يحدث في الفيلم فبدا السيناريو عديم الموهبة فقير الخيال بليداً غير قادر على الإثارة وساهم الإخراج، في تحول الفيلم إلى مجرد مطاردة بوليسية باهته، واختفت من الفيلم عناصر جاذبية الرواية في مقاربة الألغاز وفك الشفرات.
وأكثر ما يفاجئ في هذا الفيلم هو الأداء الرائع الذي قدمه الممثلان العملاقان توم هانكس وأودري توتو، مما يوحي بأن المناخ الإبداعي الذي ساد الفيلم كان على المستوى المطلوب لعمل بهذه القوة، وبأن روح الحماس كانت ممتازة فبدا الأداء شديد حرارة، وبدت عيون الممثلين الرئيسيين متألقة وكأنها تعرف طريقها فلم نستطع كمشاهدين إلا أن نحبس الأنفاس في لحاق متواصل، ولكن الملاحظة الأكثر رصدا هو بطء الإيقاع الذي بدا مقصودا في بعض المشاهد.
وبالرغم مما ذكر، حصل الفيلم في الأسبوع الأول لعرضه في أميركا وحدها على أكثر من 77 مليون دولار، والسبب يعود إلى موقف الكنيسة المتشنج ضد الفيلم والذي لولاه ربما لما كان لهذا العمل التأثير الذي حدث، وهذا هو الدرس الأكبر المستفاد، ففي بعض الأحيان يكون تجاهل ما يقوله الآخرون هو أحسن أساليب المواجهة.
وأثار الفيلم الذي قام بإخراجه «رون هاوارد»، دائرة واسعة من الاحتجاجات حول العالم، حتى قبل عرضه، فهناك الكثيرون طالبوا حظر الفيلم من العرض في دور السينما بدعوى أنه يهين العقيدة المسيحية، ويشوّه شخص السيد المسيح، ومن بين هؤلاء: الفاتيكان في روما، وجماعات اليمين المسيحي في أميركا، في حين هدّد آخرون باتخاذ إجراءات قانونية ضد موزعيه.
كما حشدت «كولومبيا بيكشرز» للفيلم أفضل ما يمكنها لتتأكد من نجاحه، وهو نفس ما تتبعه في الجزء الجديد، فقد وظفت لمهمة الإخراج رون هوارد المخرج الكبير والمعروف والذي فاز بجائزتي أوسكار لأفضل فيلم وأفضل مخرج عن فيلم «عقل جميل» سنة 2001م، وشاركه في جائزة أفضل فيلم المنتج بريان غريزر الذي شاركه إنتاج شيفرة دافنشي، حجز دور البطولة للممثل الكبير توم هانكس الذي فاز من قبل بأوسكار أفضل ممثل لمرتين متتاليتين (1993-1994).
وكانت هذه هي المرة الثانية فقط في تاريخ الأوسكار بعد سبنسر تريسي (1937-1938). أما دور الفرنسية صوفي فلم يكن أحد ليؤديه أفضل من أودري توتو، الحائزة على جائزة سيزار (الجائزة الفرنسية الموازية للأوسكار) لأفضل ممثلة واعدة في العام 2000 قبل أن تنال ترشيح أفضل ممثلة عام 2002 و2005.
مهمة التأليف الموسيقي أوكلت للمؤلف الموسيقي الكبير هانز زيمر الذي نال ستة ترشيحات أوسكار وفاز منها بواحدة، أما مهمة كتابة سيناريو الفيلم فتم تكليف أكيفا جولدسمان الذي قام من قبل بكتابة سيناريو أفلام : «الرجل السندريلا 2005» و«أنا روبوت 2004» و«عقل جميل 2001» الذي أخرجه رون هوارد.
وبالتالي يمكننا القول إن كل هذه العناصر ساهمت في رفع سقف التوقعات ليحصل الفيلم على التقدير الكبير، وهو ما تكرره نفس الشركة حاليا مع الجزء الثاني والذي رصدت له ميزانيه مفتوحة، بخلاف ما يثار حوله حاليا، من أجل تحقيق إنجازات الجزء الأول من إثارة للجدل وأعلى نسبة إيرادات في تاريخ السينما الأميركية.
«شيفرة دافنشي» فيلم جدير بالمشاهدة، ليس بسبب التشويق والمتعة الفنية فحسب، وإنما أيضاً لأنه، بشكل ما، يحث الإنسان على التفكير والنظر فيما يعلم ويألف من الأشياء مهما كانت درجة اليقين والمعرفة أو الثقة ومهما كانت درجة قدسيتها.
فالرواية تقول لنا وبجرأة كبيرة أن ما نعلمه من أشياء بدرجة اليقين ربما يكون غير صحيح تاريخياً على الأقل، إن إعادة النظر والتفكير لا تعني بالضرورة بطلان ما نعلم أو نعتقد، لكنها ربما تختبر اعتقادك وتثبته في النهاية.
وتراقب الكنيسة أفلام هوليوود وغيرها بعناية، إيمانا بخطورة الوسيط السينمائي المشكِّل للعقول، إما بسعة أفق وتطبيق سياسة التسامح الفكري وتقبل النقد، أو برفع شعار «لا مساس» حسب اشتداد الموجات ومصالح التحالفات الخفية، تحقيقا لمفهوم الحرية المحدودة تحت مظلة الدين، أو محوها ليصبحوا هم وحدهم الأحرار، والمفارقة العجيبة أن تكون الديكتاتورية الثوبَ الموصوف لتحقيق الحرية بمقاسات مختلفة.
زوم إن
فيتو الفاتيكان
يبدو أن صاروخ الفيتو الموجه من الفاتيكان ضد الفيلم الأميركي «الملائكة والشياطين» للمخرج رون هوارد، سيقلِّب المواجع على المعارضين والمؤيدين لتوالي الصدامات بين هوليوود والكنيسة. تخلى الفاتيكان عن تسامحه برفضه طلب المنتجين دخول مدينة الفاتيكان، والتصوير داخل أي كنيسة رومانية، وبخاصة كاتدرائية القديس بيتر، لأن بطل الفيلم روبرت ـ خبير الرموز بجامعة هارفارد ـ يكشف تخطيط جماعة لقتل 4 كاردينالات، وتدمير كاتدرائية القديس بيتر أثناء اجتماع سري للبابا.
هذا الفيلم ـ بالذات ـ وخطابه الفكري ومخرجه وبطله توم هانكس واسم شخصيته ومهنتها، والرواية الأصلية لمؤلفها دان براون؛ لهم سوابق مع الفاتيكان. فكل عناصر «ملائكة وشياطين» تؤكد أنه الجزء الثاني للفيلم الأميركي «شيفرة دافنشي» 2006، الذي أشعل استنكار الفاتيكان ومؤيديه لاختراعه علاقة بين المسيح ومريم المجدلية وإنجابهما طفلا، فيما يتنافى مع الوقائع التاريخية وقدسية الرموز الدينية والأمانة العلمية.



