حماسة الاكتشاف الأول هي الوصف الأكثر دقة لواقع الدراما السورية التي ينبري البعض من المتعصبين الى محاولة وضعها في مصاف الكمال في وضعية يسميها المنطق «المصادرة على المطلوب».
المقصود بحماسة الاكتشاف الأول تلك الفرحة الغامرة للطفل الذي يخرج إلى العالم في تجربته الأولى التي تصيبه وقائعها بالدهشة من كل ما يراه وما تصنعه يداه بها. حيث يعتقد بأنه وحده ووحده فقط من اكتشف تلك الأشياء ولم يسبقه الى ذلك أحد متناسياً أن وصوله اليها هو فعل تراكمي سواء على المستوى المحلي أم على المستوى العربي الذي تشكل «الدراما السورية» واحدة من مفرداتها المتعددة والذي يجعلها جزءاً أساسيا من حالة النجاح العامة للدراما العربية في بعض المراحل. إضافة الى كونها جزءا من إخفاقاتها الكثيرة، الأمر الذي يستدعي الحديث عنها في هذا الإطار وبشفافية مطلقة بعيداً عن التعصب الذي لا يخدم إلا منطق إقليمي نسعى جميعاً الى النأي عنه وخاصة باستخدامنا سلاح الفن الذي يشكل واحداً من أهم مرتكزات وحدة الذائقة العربية.. وهذا أضعف الإيمان.
بدايات موفقة... الانطلاقة الكبيرة التي شهدتها الدراما السورية خلال العقد الماضي جاءت كرد فعل طبيعي لحالة الجدب الذي طال الدراما المصرية وعدم نجاح الدراما الخليجية في تجاوز العديد من المحرمات الاجتماعية وبالتالي عدم القدرة على تناولها درامياً ومن ثم الاكتفاء باجترار أعمال درامية لاكتها الدراما المصرية كثيراً في خضم محنتها القائمة (بعيداً عن ذكر بعض المحاولات الجادة في الأعوام الأخيرة). وبالتأكيد لا يمكن إحالة أسباب تألق الدراما السورية للمأزق الدرامي المصري فقط، بل هناك أسباب تتعلق بحالة انفتاح سياسي جزئي في سوريا، وبروز عقليات اقتصادية ذكية استطاعت أن تتفهم أهمية الاستثمار في المجال التلفزيوني والمردود المالي الكبير الذي يمكن أن يتحقق.
قد ساهمت هذه العوامل جميعاً في إطلاق ما يمكن تسميته على العقد الماضي «عقد الدراما السورية» بامتياز من خلال تقديم سلسلة من الأعمال المتميزة بدأت بإمكانيات بسيطة لتصل الى حدود الإنتاج الكبير.
شكلت سلسلة النجاحات حافزاً للعاملين في المجال لتقديم المزيد والمزيد دون التنبه الى تراجع المستوى وتكرار ما يتم تقديمه وسط ترحيب نقدي أعماه التعصب عن رؤية هذا التراجع ومحاولة البحث عن أسبابه، ما جعل عناصر العمل من ممثلين ومخرجين ومنتجين وغيرهم غائبين تماماً عن واقعهم الحقيقي
ملامح الأزمة
ظهرت ملامح الأزمة لأول مرة في الدراما السورية من خلال الإصرار على تقديم أعمال «الفانتازيا التاريخية» التي جعلت المشاهد في السنوات الأخيرة مجتهداً في السخرية منها عبر إطلاق النكات والتسميات المستمدة من هذه الأعمال على وزن «البواسل» و«الكواسر» وغيرها، ما دفع المنتج لإعادة النظر في هذا النوع من الأعمال وتخفيض نسب إنتاجها ما أمكن، وللأسف فلم يكن هذا القرار الإنتاجي مستنداً الى قراءات نقدية جادة، بل كان قراراً اقتصادياً بحتاً.
وجاء الملمح الثاني في إطار الأزمة ذاتها من خلال أعمال درامية متعالية على الواقع الاجتماعي والسياسي السائد بالعودة الى ذلك النمط من الأعمال الدرامية المصرية التي كانت سبباً لأزمتها.
أقصد الأعمال النمطية التي تدور أحداثها في القصور والفلل الفخمة، مع فارق مهم للغاية يتمثل في نقص الخبرة الحاد لدى المخرج والمنتج السوري وغيرهم من مفردات العمل الدرامي، الأمر الذي لم يتح لهم تقديم أعمال مسلية على هذا الصعيد.
وفي محاولة لتجاوز هذه المحطة التي لم تلق رواجاً لدى المشاهد، جرى الانتقال الى محطة أخرى والمتمثلة بـ «الحارة الدمشقية القديمة»، ويجب أن لا ننكر أن هناك أعمالاً جميلة قدمت في هذا الإطار مثل «الخوالي» و«ليالي الصالحية».
يث كان يجدر الاكتفاء بعدد محدود منها لأنها انزلقت في مطب التكرار ولم يعد لديها ما تضيفه للمتلقي، حتى أن عملاً مثل «باب الحارة» والذي لاقى ترحيباً كبيراً من الجمهور لم يجد فيه النقاد أي جديد ما جعل هذا الاحتفاء مستهجناً لعمل لا يقول أي شيء سوى استعراض لمفردات حارة عفا عليها الزمن ولم يعد لها أي أثرٍ على المستوى الواقعي.
أعمال مهمة
ويجب التنويه بأن بعض المخرجين المتميزين أمثال هشام شربتجي قد تنبهوا الى خطورة الأمر وانطلقوا نحو آفاق جديدة تمثلت بعمل حمل اسم «أيامنا الحلوة» دخل فيه من الأبواب الضيقة للحارات الهامشية وأحزمة الفقر المحيطة بمدينة دمشق ليقدم أنشودةً مصورة مضمخة بالشجن عن أشخاص يحملون أحلاماً بسيطة، يضحكون ويبكون ويرقصون على حد السكين على حدود الضياء غير البعيدة عنهم ثم يعودون غير منكسرين لصياغة حلمهم باليوم التالي.
جاءت ابنته رشا شربتجي لتقدم عملاً مميزاً حمل اسم «غزلان في غابة من الذئاب» شكل هو الآخر تغريداً خارج السرب طالعاً كما «طائر الفينيق» من رماد الحارة الدمشقية الوهمية، وفي هذا الإطار لا يمكن أن ننسى الفلاشات الجميلة التي قدمت تحت عنوان «بقعة ضوء» والتي حملت حماسة شباب بحثوا طويلاً عن فرصة لتحويل أحلامهم من الورق الى الواقع، وكانت تجربة جميلة استمتعنا بها كثيراً ولكنها لم تخرج عن إطار التجريب الدرامي.
استحقاقات مطلوبة
المطلوب للخروج من الأزمة يتمثل بضرورة كسر القوالب النمطية التي يسعى البعض لوضع الدراما العربية السورية في بوتقتها، والغوص عميقاً في الواقع الاجتماعي الثري الذي يستطيع دوماً ان يقدم دراما قادرة على صنع الدهشة لدى المتلقي، بحيث انه وكلما كان الغوص عميقاً ستكون مستويات الدهشة اكبر من كل التوقعات.
التلفزيون والانفتاح
في مسلسل «عصي الدمع» تناولت بعض المشكلات الاجتماعية بجرأة ولكنها تعرضت لمقص الرقيب على رغم الانفتاح الظاهر فإن التلفزيون لم يهيأ بعد لطرح موضوعات جريئة.
باب الحارة على رغم كونه يتحدّث عن حارة دمشقية إلا أنه نجح عربياً، لأن قصص الحارة الدمشقية هي نفسها موجودة أو مشابهة في بلداننا العربية
تجربة رائدة
الدراما السورية ليست اختراعاً حكومياً حتى تحارب، فهذه الحسابات ميدانها السياسة، ولكنها لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة حتمية لمشوار كبير من خبرات الفنية.
دبي - خالد اللوباني


