منذ القدم تعد المياه من أهم التحديات التي تواجه الإنسان العربي، حددت أماكن تواجده واستقراره ونظامه السياسي والاجتماعي و الاقتصادي وتحكمت بتطور حياته، ولأن حاجة الإنسان من المياه تفوق ما تمده الطبيعة فقد أصبحت مشكلة المياه تتصدر هموم سكان العالم.
تشير الأرقام إلى أن أكثر من خمس سكان الكرة الأرضية يعانون من أزمة توفر المياه العذبة والنقية، كما أصبحت مسألة المياه تحظى بأهمية كبيرة إقليمياً وعالمياً، حيث تشير الدراسات المعدة بهذا الخصوص إلى أن الصراع القادم في العالم سيكون من أجل السيطرة على مصادر المياه ومنابعها.
لذلك يظل الماء عصب الحياة، وندرته بسبب التغير المناخي وتزايد عدد السكان يشكل عنصراً أساسياً للصراعات المتوقعة بين الدول، من هذا المنطلق برزت أهمية تطوير التكنولوجيا الصناعية لترشيد استهلاك المياه والمحافظة عليها.
وفي ظل هذا الاهتمام، ظهر عدد من المخترعين بينهم الباحث المصري خالد أحمد حلمي، الذي اخترع ماكينة صغيرة يتم تركيبها داخل صناديق طرد المياه «السيفون»، تؤدي هذه الماكينة في حال تعميمها إلى توفير مليارات الأمتار المكعبة من المياه النقية سنوياً، تقدر قيمتها بمليارات الدولارات..
فضلاً عن المياه التي يمكن توفيرها لزراعة ملايين الأفدنة سنوياً لمواجهة أزمة الغذاء التي تعصف بشعوب المنطقة... «الحواس الخمس» التقى صاحب الاختراع للتعرف إلى فوائده، وكيفية الاستفادة منه عربياً، وفيما يلي تفاصيل الحوار :
بداية ..حدثنا عن ماهية اختراعك.. وكيف توصلت إليه؟
اختراعي عبارة عن منظومة متكاملة تعمل على التحكم المثالي في استخدام المياه النقية بتوفير نحو 90% من كمية المياه المستخدمة بصندوق الطرد في المنازل، ونحو 60% من مياه الصنبور والدش وغيرهما، وذلك من خلال ماكينة صغيرة مصنوعة من البلاستيك والصلب غير قابلة للصدأ يتم تركيبها داخل صندوق طرد المياه.
هذه الماكينة تعمل على تقليل الفاقد من المياه التي يمكن استخدامها في الزراعة وتوجيهها نحو المجتمعات العمرانية الجديدة، بالإضافة إلى ذلك توفر على الدول تكلفة مالية ضخمة يتحملها المواطنون من أجل إقامة مشروعات تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة.
هل يمكنك إيضاح الأثر الاقتصادي جراء تطبيق اختراعك هذا؟
لنأخذ مثالاً دولة مثل مصر التي يتجاوز عدد سكانها 80 مليون نسمة، ففي حالة تعميم صندوق الطرد على المنازل والشركات وغيرها من الأماكن بالدولة، فإنه يمكن بموجب إحصاءات العام 1997، توفير أكثر من 4 مليارات متر مكعب من المياه النقية سنوياً تقدر قيمتها بنحو 2 مليار جنيه «الدولار يساوي نحو 30,5 جنيهات» تكفي لزراعة 800 ألف فدان سنويًا.. إلى جانب توفير نحو 500 مليون جنيه أخرى عبارة عن تكاليف مشروعات صرف المياه.
سنوات عدة مرت على اختراعك دون خروجه للنور.. ألا يتناقض ذلك مع النتائج الباهرة التي تذكرها؟
اكتسب صوته نبرة حزينة وهو يقول: ليس تناقضاً، بقدر ما يمكن القول إنه تجاهل للباحثين، ولأي وسيلة من شأنها المساهمة في تقدم الدول العربية، وتوظيف قدراتها لتتبوأ مكانة عالمية، ولعل اختراعي أبرز دليل على ما أقوله.. فقد تم دراسة هذا الاختراع بالتجربة العملية على مدى 5 سنوات بجمهورية مصر العربية.
وقمت أيضاً بمراسلة الشركات المصنعة لمثل هذه الأجهزة، ومخاطبة مراكز البحوث العالمية للإطلاع على ما هو جديد في جميع أنحاء العالم، وتم مقارنة السلبيات وكيفية معالجتها، ومع ذلك لم تحدث أي استجابة تجاه اختراعي، والغريب أنني اكتشفت أن الوطن العربي بأكمله لا يملك مصنعا لإنتاج ماكينة السيفون، بل يتم استيرادها من الخارج، وهو ما أصابني بإحباط شديد.
هل حصلت على براءات اختراع خاصة بصندوق الطرد سواء داخل مصر أم خارجها؟
بالطبع، فقد قمت بتسجيل براءة الاختراع بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بجمهورية مصر العربية تحت رقم 167 لسنة 1997، كما قمت بتسجيله بدولة الإمارات العربية المتحدة «وزارة المالية والصناعة - إدارة الملكية الصناعية» تحت رقم 244 لسنة 1997، وصدر لي أيضا قرار تعميم من المملكة العربية السعودية من أمين عام الغرفة التجارية بمكة المكرمة آنذاك «عبد الغفور نجار الشاهي».. إلا أن مشكلة التمويل ظلت العائق الأكبر أمامي.
ذكرت أنك قمت بتسجيل اختراعك بدولة الإمارات العربية المتحدة.. فماذا حدث؟
قبل ستة أعوام، وفي ظل النهضة التي شهدتها الإمارات على يد الشيخ زايد آلـ نهيان رحمه الله، فكرت في عرض الاختراع في دبي، وبالفعل وصل الاختراع بشكل لم أكن أتوقعه إلى مكتب صاحب السمو رئيس الدولة، وبعدها مباشرة قامت إدارة دراسات مصادر المياه بدراسة الاختراع، ومقارنة سلبياته وإيجابياته بالأجهزة المصنعة عالمياً، وكانت النتائج مذهلة، الأمر الذي دفع إدارة دراسات مصادر المياه بالتوصية بتصنيع الجهاز، وذلك بعد التجربة العملية للاختراع، ومقارنته بكل ما هو جديد..لكن جاء مرض الشيخ زايد آنذاك ثم رحيله ليتوقف المشروع.
ما النتائج التي تمخضت عن مقارنة صندوق الطرد بالأجهزة العالمية الجديدة؟
أهم هذه النتائج، أن اختراعي يوفر 90% بالتحكم في كمية المياه المنصرفة بحيث لا تزيد على لترين لتفي بالغرض المطلوب في زمن مدته ثانيتين فقط، في حين أن الأحدث عالمياً من هذه الأجهزة والمتداول في الأسواق يوفر 50% فقط في زمن من 15 إلى 25 ثانية، كذلك أكدت التجربة أن ماكينة الطرد التي اخترعتها لا تعلق نهائيا، ومن الممكن غلقها أوتوماتيكيا، بالإضافة إلى إعادة التعبئة في زمن قياسي يصل إلى أقل من نصف دقيقة، ولا يسمع صوت خرير المياه عند التعبئة.
لكن.. لماذا اخترت الإمارات تحديداً لتنفيذ اختراعك بها؟
هناك فائدة كبيرة ستعم على الإمارات في هذه الحالة، في ظل عدم توافر منظومة متكاملة للصرف الصحي، فضلاً عن أن العلماء أكدوا أن مياه الصرف الصحي لها تأثير سلبي على مياه الآبار، ما ينتج عنه تلوث مياه الآبار في المستقبل، وعدم صلاحيتها للشرب، ومن شأن اختراعي أن يوفر ما يصرف على عمليات الكساح بالمدن والمناطق التي لا يتوفر بها الصرف الصحي، فالمحصلة في حال استعمال هذا الاختراع توفير ملايين اللترات من المياه سنوياً.
كم تصل التكلفة الفعلية لخروج اختراعك للنور؟
تكلفة إنشاء خط إنتاج لماكينة الطرد تصل لنحو 20 مليون درهم، وهذا المبلغ لا يقارن بحجم الفوائد الاقتصادية الناتجة على الجهاز، سواء فيما يتعلق بقيمة الفاقد من المياه أو ما يتم إنفاقه على معالجة مياه الصرف الصحي.
