نجح «نمس بوند» الفيلم الجديد للفنان هاني رمزي في تحقيق أكبر قدر من سخط النقاد على الرغم من الدعاية المفتعلة بتعرضه لمشاكل رقابية صارمة، حيث اعتبروا أنه قدم إعلانا عريضا عن فشل هاني وإفلاسه مع هذه النوعية من الكوميديا التي باتت إلى طريق مسدود بعد سلسلة من الأفكار المستهلكة سواء في الكوميديا السياسية أم كوميديا الاسكتشات والسذاجة التي تعتمد على تقديم الأفيه المكرر الممجوج، واختيار شخصيات معادة ومكررة.
فمثلاً اختياره لشخصية العميل البريطاني الشهير «جيمس بوند» ليقدم شخصيته في الفيلم تحت اسم «شريف النمس» لا تحمل أي دلالة من قريب أو بعيد إلى جيمس بوند، لاسيما أن هناك فارقا كبيرا بين شخصية ضابط المخابرات وضابط الشرطة فالأول مغامراته ومعاركه تدور في مجال الجاسوسية الدولية ومحاربة الإرهاب، بينما دور ضابط الشرطة هو التحقيق في الجرائم المحلية. أيضا، لم يقتصر الاقتباس في الفيلم على شخصية «بوند» إنما اقتبس من عدة أفلام أجنبية أهمها وأقربها على الإطلاق فيلم «Johnny English» الذي يسخر أيضا من شخصية جيمس بوند، وعلى الرغم من ذلك نجح الكاتب والسيناريست «طارق عبدالجليل» في تقديم صورة كاريكاتيرية للعميل، لكنه نجح أيضا في فرضه على معظم مساحات الفيلم ليظل هاني رمزي النجم الأوحد، لذلك جاء مجهود المخرج أحمد البدري غير واضح، فلم يستطع تقديم رؤية إخراجية محددة المعالم، فاتسمت الشخصيات بالسذاجة والتراخي، وكذلك الصورة والإيقاع..
لذا نجد أنفسنا في النهاية أمام عمل أفسده القائمون عليه من مؤلف ومخرج وأبطال، وهذا يؤكد أن الفيلم لم يحقق أي رد فعل إيجابي، ولابد أن يتدارك «هاني رمزي» هذه المشكلة قبل فوات الأوان، وأن يتخلى عن الاستخفاف بعقلية المشاهد، والبحث عن أفكار جديدة بدلاً من البحث في أعماله القديمة، وتقديم لقطات من عدة أعمال لينسج منها مسرحية هزلية تخلو من أي قيمة فنية.
نجاح باهت
وعلى الرغم من أن «هاني» استطاع خلال مشواره الفني القصير تقديم العديد من الأعمال السينمائية التي تتبنى مشاكل وقضايا ساخنة، وعلى الرغم من نجاحه في تقديم أفكار تحمل مساحة كبيرة من الموضوعية، إلا أنه أفسد كثيرا من هذه الأفكار حينما تبنى لها إطار الكوميديا الساذجة - وليست الساخرة - إطارا وحيدا لمعالجتها؛ وعلى الرغم من أنه موهبة وطاقة تمثيلية عالية إلا أن إصراره الشديد على مجاراة العديد من الأعمال الكوميدية التي سيطرت على الساحة السينمائية لفترة طويلة، وإن نجحت في تقديم أعمال ضاحكة وكوميدية دون أي فكرة أو قضية تتناولها أفسد نجاحات كبيرة كان من الممكن أن يحققها بعيدا عن النجاحات الباهتة في أفلام الضحك والتهريج؛ خاصة في ظل ما شهدته الساحة السينمائية من أعمال بعيدة في مضمونها عن الاستهتار بعقلية المشاهد.
وبدأت في تقديم أعمال جادة تخلو من الافيهات والنكت البذيئة التي أدرك صناع السينما فشل تأثيرها على الجمهور.. وأن الحبكة التي تعتمد على الصناعة السينمائية لجذب الجمهور وتحقيق الإيرادات أدركها عدد من نجوم الكوميديا أمثال «محمد سعد» و«محمد هنيدي» وبدأوا في تغيير أنماطهم وترتيب أوراقهم، بينما نجح آخرون منذ البداية في الجمع بين المضمون والفكرة والإيرادات مثل «أحمد حلمي» الذي أصبح يتربع على عرش الكوميديا بعد زعيمها «عادل إمام».
خلطة رديئة
وإن اختلف البعض أو اتفق حول اختيارات «هاني رمزي»، إلا أننا لا يمكن أن ننكر في النهاية أنه أحد نجوم الكوميديا الموهوبين على الساحة الفنية، كما أنه استطاع أن يصنع منطقة مختلفة لا تشبه نجوم الافيهات أو الكوميديا أو المضمون، فقد جمع بين هذا وذاك في آن واحد، ساعده ذلك أن يكون نجما من نجوم الشباك لفترة، إلا أن إصراره على تهميش الفكرة الأساسية أفقد أفلامه الأخيرة مذاق الطبخة الكاملة..
وهذا ما يؤكده العديد من النقاد حول أعماله الأخيرة التي أصر فيها «هاني» على الاستهتار بعقلية المشاهد متمسكا بالحبكة الدرامية والصناعية القديمة التي تعتمد على إطار ساذج بسيط، ومنها على سبيل المثال «أسد وأربع قطط» الذي قدم من خلاله شخصية الضابط الذي يجد نفسه أمام مهمة حراسة فريق من المطربين، وإن كان العمل يحمل فكرة، لكن يبدو أن «هاني» أصر على تهميشها لإظهار فكرة أخرى وهي تقديم الإفيهات الجنسية والنكت البذيئة..
ولم تكن تجربته الوحيدة، ففيلمه الأسبق «غبي منه فيه» سار على الطريق نفسه، فبدلاً من أن يغير هاني اتجاهه ويدرك خطأه جيدا نجده يكرر فشله وأخطاءه بكل إصرار، حتى تكرار شخصية الضابط لم ينجح «هاني» من خلال فيلمه الجديد «نمس بوند» في تغيير الصورة السابقة التي قدمها، فهو أيضا ضابط شرطة أحمق يثير المتاعب مستخدما كل طاقاته في الجمع بين الإفيهات التي قدمها في أعماله السابقة، وبين أسلحته في استخدام النكتة البذيئة متحايلاً على الجمهور لإجبارهم على الضحك ليأتي «نمس بوند» مفصولاً عن واقع الحالة السينمائية التي نجحت أخيرا في تقديم سينما مختلفة سواء التي تهم الطبقة البسيطة، أم التي قامت بإعادة تقديم سينما القضايا.
وإن كانت تركزت هذه الأعمال في أغلبها أيضا على مساحة كبيرة من المشاهد الجنسية، لكن يبدو أن هاني التقط منها هذه الجزئية ليبني عليها إفيهات «نمس بوند» وهي نفس ما قدمه في «أسد وأربع قطط»، لذلك يبدو أن هاني في حاجة ماسة لمن يذكره بأعمال الكوميديا السياسية التي قدمها من قبل ومنها «جواز بقرار جمهوري» و«عاوز حقي» والتي لاقت نجاحا نظيفا لا يعتمد على خلطة رديئة من الجنس والسذاجة والتعليقات الوضيعة.


