وقوفاً عند حال الكوميديا السورية، وحال الممثلين الذين عملوا فيها، التقينا في دمشق ببعض الأسماء التي روجت لها، وأطلقتها في فضاء العالم العربي، الذين أجمعوا أن الكوميديا هي نقد موجه، فالممثل يضحك في أدائه ويسخر من الواقع كما المشاهد، ولا يمكن التفكير مطلقاً بأن عملاً ما يضحك على المشاهدين، أينما كانوا، فقضايانا هي قضية واحدة، وهمومنا تبقى مشتركة.. أكثر من ذلك تجدونه في هذه الإطلالات السريعة.
أخطر الأنواع... يرى الفنان أيمن زيدان الذي اشتهر بأدائه الكوميدي العالي أن مهمة (إضحاك الناس) ليست سهلة، وتحتاج إلى مهارة وذكاء وموهبة، والأعمال التي تسعى إلى إرضاء المشاهد بحاجة أيضاً إلى جهد مضاعف من العمل الجاد والتدريب المكثف، فالكوميديا من أخطر الأنواع الدرامية وأصعبها، وهي لا تعرف الحلول الوسط، وبينما يقبل العمل الاجتماعي التصنيف، فإن العمل الكوميدي إما أن يكون ممتازا أو سيئاً، وهذا يشكل تحديا كبيرا لمن يخوض في هذا النوع من الأعمال، فللكوميديا خصوصية عالية، ومشروع إنجاح عمل كوميدي متوازن عملية شاقة تتطلب توازناً عالياً بين المتعة التي يسعى العمل إلى تقديمها للمشاهد، وبين الاحتفاظ بالأفكار الجريئة والساخنة.
كوميديا وتهريج ... يؤكد المخرج السوري الليث حجو الذي أخرج عدداً كبيراً من الأعمال الكوميدية المعروفة، أن الكوميديا مظلومة نتيجة الرؤية النقدية التي تصنفها تحت قائمة الأعمال الخفيفة، وأن هناك استخفافاً بالأعمال الكوميدية. ويتابع في حديثه للحواس الخمس قائلاً: نرى البعض يتعالى بالفكر والاستعراض بالمخزون الثقافي، وكأنك حين تقول عملا كوميديا فهو ليس للنخبة أو للمثقفين، ويبدو أن الابتسامة تحرج بعض المثقفين. وكأنها إساءة لمخزونهم الثقافي حسب تعبير حجو، الذي أضاف قائلاً: إن الكوميديا السورية انتشرت في كافة أنحاء الوطن العربي، وكشفت عن مواهب فنية وصنعت نجوماً سوريين مهمين، أتمنى أن يتذكر البعض بأن الفنان دريد لحام كان سفيرنا إلى العالم بما قدمه من أعمال كوميدية.
أما عن المبالغة في طريقة الطرح فأضاف حجو أنها شرط من شروط الكوميديا، طالما لم تأتِ على حساب النص، وأن الكوميديا قد تتحول إلى نوع من التهريج عندما يسخر منها العاملون بها، أو عندما يتعالى الممثل الكوميدي على الشخصية التي يقدمها ويستخف بها، فحين لا يتبنى الممثل العمل الذي يقدمه، فإن المشاهد أيضا لن يتبنى العمل وسيعتبره تهريجاً.
جسر تواصل
وتعتبر الفنانة الكوميدية شكران مرتجى أن الكوميديا جسر للتواصل بين الناس، فهي تعكس مظهراً من مظاهر المجتمع، كما أنها وسيلة تعبيرية نقدية، تتأثر بالوسط الاجتماعي وتتفاعل معه، لتزيد من إحساس المتلقي وتظهر انفعاله تجاه ذلك الوسط. وعن سبب ابتعادها عن المشاركة بأعمال كوميدية أخيراً أجابت: للكوميديا مساحة مميزة وعشق خاص بداخلي، وأنا اشعر بأن الحنين والشوق هو الذي يدفعني نحو الكوميديا، فهي جزء من طبيعتي ومن روحي، لكنني أردت التغيير والخروج من إطار الكوميديا، لأخوض تجربة التراجيديا واكتشف مساحات جديدة، فالفنان لا يؤدي دوره إلا بالاكتشاف والتجديد، وليس بالاستنساخ، فأنا أردت الخروج من النمطية، حيث ان كل إضافة تعني تجربة جديدة.
وأشارت مرتجى للحضور القوي للكوميديا السورية على الشاشات العربية قائلة: أدمن المشاهد العربي طويلاً الكوميديا السورية لصدقها وقربها من الناس، ولأنها لامست جوهر الحياة الإنسانية، فلم تكن مجرد هرج مجاني، بل تناولت مواضيع اجتماعية تحمل الكثير من الأفكار والمضامين، وجعلت الخيارات أمام المشاهد كثيرة، ومن لا يريد المتابعة بإمكانه تغيير القناة بكل بساطة، فأنت لا تستطيع ان تفرض على المشاهد أي شي إذا لم يكن مقتنعاً به.
جرأة في الطرح
من جهته قال المخرج سامر برقاوي، الذي بدأ في تصوير الحلقات الأولى من مسلسل (بقعة ضوء) بجزئه السادس: (ظلت النظرة إلى العمل الكوميدي على أنه خفيف من حيث انخفاض التكلفة الإنتاجية وسهولة التوزيع، وعلى الرغم من فورة الإنتاج الدرامي وتطور المسلسلات التلفزيونية بشكل عام في السنوات الأخيرة، إلا أن عدد المسلسلات الكوميدية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فنحن نعاني نقصا حقيقيا في الأعمال الكوميدية، والساحة تستوعب الكثير من الأعمال).
وأضاف أنه وعلى ما يبدو فإن المسلسلات الكوميدية هذا العام، ستأخذ شكلا مختلفاً عن سابقتها ليس بالكم، فهي لن تتجاوز أصابع اليد الواحدة بل فيما هو مطروح، حيث ستكون هناك جرأة في التعاطي مع الحياة الاجتماعية والسياسية، واتساع لمساحة التجريب، وتوسيع حيز المسموح للوصول إلى أقصى مدى نستطيع من خلاله التعبير بحرية ضمن إطار ساخر، بحيث يتماشى عنصر الموضوعية مع عنصر الجرأة الذي ينتظره الناس.
الكوميديا والمضحك
السائد لدى أكثر متابعي الكوميديا، هو عدم معرفتهم أن الإضحاك ليس شرطاً لوجود الكوميديا، كما أن كلمة كوميديا لا تفرض دائما وجود الضحك، وتبقى الكوميديا بمعناها الأكاديمي من أرقى وأصعب الفنون على الإطلاق، فأيهما أصعب أن تضحك المشاهد أم أن تبكيه؟
ثنائيات
رضا مع الجميع
1 ـ يعتبر الفنان أيمن رضا احد الأسماء المهمة في الكوميديا السورية، من خلال أدائه أنماطاً على درجة عالية من الأهمية، وقلما يمر عام دون أن يحمل له بصمة خاصة في عمل ما.
2 ـ وقد حقق رضا ثنائيات مهمة مع بعض الفنانين السوريين مثل: أيمن زيدان وباسم ياخور ونضال السيجري، وظلت له نكهته وبصمته الخاصة وهو يدخل في أعماق الشخصيات الحياتية ويقدم أنماطاً نوعية.



