عرف المشاهد العربي الدراما السورية في مراحل متغيرة كثيرة، وشهد نشاطاً واسعاً لها منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً مع النجاح الكبير الذي حققه مسلسل «نهاية رجل شجاع»، ومن بعدها تميزت تلك الدراما بطرحها العديد من المفاهيم والأجناس الفنية المتبدلة، كما كان للكوميديا نصيب واسع في نجاحها وتقرب الناس منها في كل أنحاء العالم العربي.
وعلى الرغم من المد والجزر الذي أصاب الكوميديا السورية في السنوات الأخيرة، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على مكانتها الخاصة على خارطة الدراما، وبقيت قادرة على الإمساك بالمشاهد، بما تناولته من مواضيع حساسة وجريئة، تمس المواطن العربي عامة، بعيدا عن خصوصية كل دولة. حكاية الكوميديا السورية بدأت مع تأسيس التلفزيون السوري، وأول ما ظهرت في برامج المنوعات التي كان يعدها الفنان نهاد قلعي كبرنامج «الإجازة السعيدة» الذي أخرجه خلدون المالح العام 1960، وفي الوقت نفسه التقى النجمان نهاد قلعي ودريد لحام، ليشكلا أول ثنائي كوميدي فني في الوطن العربي «غوار الطوشة وحسني البورظان»، إلى جانبهم نخبة من الممثلين مثل رفيق سبيعي، وعبد اللطيف فتحي، ونجاح حفيظ، وياسين بقوش، الذين استطاعوا بشخصياتهم المحببة أن يقدموا أعمالاً خالدة تحفر لها مكانة خاصة في التاريخ الدرامي السوري، التي لا تزال تستعيدها المحطات الفضائية العربية حتى يومنا هذا، فمن «مقالب غوار» و«صح النوم» إلى «ملح وسكر» ثم «حمام الهنا»، الذي أعادت عرضه أخيراً قناة أبوظبي، بعد مضي أكثر من أربعين عاماً على إنتاجه، حيث لم يفقد العمل بريقه، بل حقق حضوراً ومتابعة كبيرة في زمن التخمة الدرامية التي نعيشها، وغزارة الإنتاج التلفزيوني الذي تراه يصر على أن يبحث عن فرصة للعرض.
بهذه الأعمال انطلقت رحلة الكوميديا الشعبية التي حملت اللهجة السورية إلى مختلف أصقاع العالم العربي، وتوالت المسلسلات الكوميدية فيما بعد ودخل شكل جديد على الكوميديا، فأخذت الإعمال تنطلق من مشكلة سياسية بشكل مباشر أو ملتف، لتتوغل عميقاً في الجانب الإنساني، سواء في عمل متصل، أو في لوحات منفصلة ضمن العمل الواحد، مثل مسلسلي «الدغري» و«يوميات مدير عام»، وهذا العمل بالتحديد قفز باسم منتجه وبطله أيمن زيدان، إلى مراتب عالية بناء على النجاح الذي حققه، وهذا العمل اعتبر أيضاً قفزة نوعية في الكوميديا السورية، لما قدمه من طرح لهموم المواطن العربي، وما يعانيه في حياته اليومية وعمله، ضمن قالب كوميدي صنف تحت اسم الكوميديا السوداء.
فيما بعد اتجهت الكوميديا لتعنى بالمفارقات الاجتماعية البسيطة والمضحكة، والتي تصب في خانة الكوميديا المضحكة التي لا تسعى إلى أكثر من الإضحاك، مثل «عيلة خمس نجوم» و«جميل وهناء»، وصولاً إلى مسلسلي «مرايا» و«بقعة ضوء»، وجميعها أخذت شكل الحلقات المستقلة التي حملت طابع الكوميديا الساخرة، ذات المدلولات الجدية، من حيث تناولها لقضايا عميقة تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والسياسية، وتسليط الضوء على عدد من الظواهر السلبية، من خلال إظهار المفارقات الاجتماعية في الواقع المعاصر ضمن قالب كوميدي ساخر.
وبعيداً عن اللوحات الفنية الانتقادية، حضرت أعمال كوميديا أخرى تميزت بروح خفيفة دفعتها خطوة باتجاه الناس، فدخلت في دائرة الكوميديا الاجتماعية، وظهرت أعمال مثل «كسر الخواطر» و«مشاريع صغيرة» و«ضيعة ضايعة».
الكوميديا السورية حظيت بحضور واحترام معظم المشاهدين في العالم العربي، الذين وجدوا فيها الابتسامة الجميلة التي زرعتها على الوجوه، مع الاختلاف في النوع والطرح.
وفي موازاة تزايد الأعمال الدرامية المنتجة سنوياً، نلمس تراجعاً في عدد المسلسلات الكوميدية، واختلافاً في نوعها وفي سويتها الفنية، ما يدعونا إلى طرح تساؤلات حائرة: ما هي الكوميديا؟ وما الفرق بين الكوميديا الحقيقية التي تطرح مشروعاً وتحمل فكرة، وبين التهريج الذي لا يسعى إلا إلى الإضحاك؟
تاريخ
أبو الكوميديا
الفنان نهاد قلعي، يرى فيه البعض الأب الشرعي للكوميديا السورية، وهو يمضي مقدماً عدداً غير قليل من الأعمال الكوميدية، مؤلفا وممثلا، إضافة إلى اشتهاره مع دريد لحام، بأنهما أهم ثنائي كوميدي عرفته الكوميديا العربية.
دمشق ـ نهى سلوم


