حرصت هوليوود حتى نهاية الستينات على تقديم الأفلام الاستعراضية والموسيقية التي ظلت خالدة في ذاكرة السينما، بيد أن هذه الحمى سرعان ما بردت وصارت هذه الأفلام عملة نادرة مرة ثانية.
ويرى النقاد حاليا أن نجومية الأفلام الاستعراضية والموسيقية قد أفلت في العقود الأخيرة وأن الشوق لإنتاج هذه الأفلام التي تعيدنا للزمن الجميل، لا يزال يلف قلوب صناع السينما ليعيدوا البريق لها، لتسطع من جديد في صالات العرض العالمية.
ففي الخمسينات تزايد اهتمام الجماهير بموسيقى السينما، وأصبحوا يتلذذون بالنمط الموسيقي السينمائي، وعلى سبيل المثال عندما ظهرت أغنية «نهر القمر، Moon River» في الفيلم الشهير Breakfast at Tiffany تم بيع مليون نسخة من أسطوانة الأغنية، وهو رقم مهول آنذاك (1951).
الأمر الذي وجه انتباه الشركات المشتغلة في صناعة السينما نحو إنتاج أعمال غنائية واستعراضية، فأنتجت أفلام «دين مارتن» و«فرانك سيناترا» و«سامي ديفيز»، في بدايات ومنتصف الخمسينات وأغانيهم: volari وstranger in the nghit وغيرها، وأنتج فيلم «أنا والملك، The king & I» و«سايونارا، Sayonara» في نهايات الخمسينات وجميعها أفلام موسيقية غنائية راقصة جذبت ملايين الجماهير حول العالم.
وهكذا.. أشرقت الستينات مع بوادر الأغاني التي تصنع خصيصاً للأفلام وتؤثر في أحداثها وتؤدى ضمن سياق الفيلم، وهي تقنية مستوحاة من الفن المسرحي، وذلك بعدما تنبهت الاستديوهات إلى فعالية الأغاني الشعبية في زيادة الإقبال على دور السينما.
ومن ثم إيجابية الاستعانة بالمطربين المشهورين على اجتذاب أعداد متزايدة من الجماهير، الأمر الذي رفع أرقام العوائد المالية التي تجنيها الشركات المنتجة، ولذلك استعانت هذه الشركات بالمطربين الشعبيين أمثال «الفيس بريسلي» وكليف ريتشارد وفرق «البيتلز» و«جاكسونز، Jakcsons» وجعلت منهم نجوماً وفرقاً عالمية.
من ناحية أخرى شهدت الستينات ولادة موجة أفلام «الخيال العلمي ـ Sciences Fiction»، وإن كانت ولادتها الحقيقية تعود إلى 1907 مع فيلم «عشرين ألف فرسخ تحت الماء» و«غزو القطب» في 1912 لمؤلفها جول فيرن.
ولكن عودتها وولادتها الستينية جاءت عبر تقنيات وأفكار متقدمة ومتطورة، وقد تميزت تلك الأفلام بموسيقى ومؤثرات ذات شأن خاص، ولكن مع عرض أفلام جيمس بوند في الستينات رسخت نوعية جديدة من الموسيقى التصويرية التي توحي بعصر التكنولوجيا الفارهة، لاسيما معزوفة المقدمة لأفلام العميل السري والتي مازالت تتردد حتى الآن من تأليف «جون باري».
ونستطيع القول انه في تلك الفترات انتشرت ظاهرة الأفلام الموسيقية الراقصة مثل «ماري بوبنز، Mary Poppins» و«صوت الموسيقى، Sound Of Music» وآني،Anni.
واستمرت هذه الموجة حتى السبعينات، وتزامنت معها الأفلام الروائية الطويلة والتي كرست لنمطية رائعة من الموسيقى التصويرية التعبيرية الحالمة مثلما حدث في أفلام «الأب الروحي، The Godfather للملحن الإيطالي الأصل نينو روتا، و«زوربا الإغريقي» 1974 و«الرسالة، The Message» لواضعها موريس غار.
ومع بداية الثمانينات انطلقت بدلا منها الموسيقى الحالمة الفانتازية من خلال أفلام المخرج ستيفن سبيلبيرغ والمخرج جورج لوكاس اللذين بدءا في تنفيذ أفلام خيالية مثل «حرب النجوم» وE.T والتي كانت تحتاج إلى موسيقى كفيلة بنقل المشاهد من عالم الواقع إلى عالم الخيال.
وقد وقف خلف معظم تلك الأفلام الموسيقار الشهير جون ويليامز الذي حصل على خمسة جوائز أوسكار عن أعماله في تلك الفترة.
وتعتبر الثمانينات والتسعينات مفصلا مهما في مسار موسيقى السينما، حيث ولدت موسيقى جديدة في الحقل السينمائي وهي الموسيقى الإلكترونية المتقنة التي لا تزال مستمرة حتى الآن، والتي لا تصدر من خلال آلات موسيقية حقيقية وإنما من خلال برمجيات إلكترونية.
ومن أشهر من برعوا في هذا المجال المؤلف «هانز زيمر» الذي ما زال متألقاً حتى يومنا الراهن، لاسيما بما حققه من مؤلفات ساحرة مثل موسيقى فيلم «رجل المطر، Rain Man» و«الأسد الملك، Lion King» وفيلم «المصارع، Gladiator». وسار على منهج زيمر الموسيقار هوارد شور صاحب فيلم سيد الخواتم، The Lord Of The Rings.
كذلك لا يمكن إغفال الموسيقار جيمس هورنر الذي له مقدرة إبداعية موسيقية ملائكية لا يمل سماعها، وأجمل أعماله في فيلم «أساطير الخريف، Legends Of the fall» و«القلب الشجاع، Brave Heart» و«تايتانيك، The Titanic» وآخر مؤلفاته الرائعة كانت في فيلم «عقل جميل، A beautiful Mind».
ومع الألفية الجديدة ظهرت بعض الأعمال الاستعراضية والموسيقية على استحياء شديد منها فيلما شيكاغو، والطاحونة الحمراء، غير أنهما لم يكونا بنفس مستوى الإبهار والسعة الموسيقية، وقد أجمع النقاد على أن تلك المحاولات ما هي إلا بوادر لإحياء السينما الاستعراضية، فهل نعتبر أن ما تقدمه هوليوود من خلال فيلم «ماما ميا» في صيف 2008 هو البداية لعودة تلك النوعية من الأفلام؟!.
زووم إن
تعد الموسيقى التصويرية عنصراً أساسياً من مقومات الفيلم السينمائي، وباستطاعة المؤلف الموسيقي البارع أن يلعب دوراً مهماً في الصيغة النهائية المتكاملة للفيلم بإضافة الحيوية على السرد الروائي للقصة.
ولكي ندرك أهمية الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية ما علينا إلاّ أن نشاهد فيلماً سينمائياً خالياً من تلك الموسيقى. فعندئذ ندرك حاجة الفيلم الماسة إلى عنصر الموسيقى التصويرية الذي يبعث الحياة في كثير من مشاهده ويحرك عواطف المشاهد.
وقد لا يدرك المشاهد العادي الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية السينمائية، إلاّ أن هذه الموسيقى كثيراً ما تسيطر على أحاسيسه وتتحكم في عواطفه. وهي من دون شك إحدى الأدوات الرئيسية التي تعزز الأثر السيكولوجي للفيلم على أحاسيس المشاهد.
وقد اكتشف مؤلفو الموسيقى التصويرية السينمائية سر فاعلية هذه المهمة منذ بداية عصر السينما الناطقة. ونقل هؤلاء الموسيقيون عن أوبرات الموسيقار الألماني الشهير فاغنر فكرة الموضوع الموسيقي أو اللحن الموسيقي المقترن بشخصية أو بمكان أو بشيء إلى الأفلام السينمائية.
أسامة عسل
