السينما هي الفن والمتعة.. وعندما يأتي عمل ليهدي العالم رؤية جديدة في الخلق والإبداع الفني، كأنه جاء ليروي عطش الظامئين إلى التفتح والنشوة والقوة لمواصلة الحياة في صحراء الحروب والأزمات والاختناقات.
من هذا النوع.. جاء الفيلم الساحر «ماما ميا» الذي حرك مشاعرنا للحنان والحب، ودفعنا للشوق إلى من يخفف عنا حدة الأيام وطول المسافات، وكأننا قطارات تسير على قضبان، نلهث ونتصارع ونتوجع، دون أن نتوقف على محطات للراحة والتقاط الأنفاس.. ودون أن تلتقي الخطوط!. حالة اشتياق، نمر بها جميعا، وننتظر ما قد تلقي به الأقدار في طريقنا، عل وعسى تتلاقى تلك الخيوط. ومن هذا الاعتقاد تدور أحداث فيلم «ماما ميا» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، والذي انطلق عالميا الأسبوع الماضي، ويعتمد على المقطوعات الموسيقية الشهيرة لفرقة «آبا» والتي تعبر في صياغتها عن فكرة محورية في الفيلم مفادها أن البشر لا يعرفون أبدا ما يخبئه لهم القدر، وبمجرد اكتشافهم لمصيرهم تأتي ردود أفعالهم أكثر إدهاشا من غرابة القدر نفسه.
ماما ميا.. إنها أوقات من السحر، حيث يزدهر حبّ جديد، لتلتهب رومانسيات قديمة على هذه الجزيرة التي تغطيها الأعشاب والتوقعات، إنها قصة تستند على سحرِ رواية أغاني فريق أبا «دانسينغ كوين» و«أس. أو. أس» إلى «ماني، ماني، ماني» و''تايك إي شنس أون مي''، ماما ميا! هو احتفال بين الأمهات وبناتهن، أصدقاء قدامى وعائلة جديدة على وشك أن تتكون. يتناول فيلم «ماما ميا» أو «أماه» قصة دونا، أم وحيدة تلتقي مرة أخرى مع ثلاثة أشخاص يفترض أن أحدهم هو الأب الحقيقي لابنتها وهم: كولين فيرث، وبيرس بروسنان، وستالين سكارسغارد، ويأتي هذا اللقاء يوم زفاف ابنتها.
ويتحتم على دونا مواجهة هذه المشكلة، في هذه المرحلة الحاسمة من حياتها، وبعد أن نجحت في تحقيق جميع أحلامها، وتمكنت من إقامة مشروعها الذي كانت تتمناه، وهو تشييد فندق خاص في إحدى الجزر اليونانية، وبقدر ما كانت الرحلة شاقة ومرهقة بقدر ما تشعر به من سعادة، إلا أن هذه السعادة لم تكتمل لأنها لا تزال تفتقد لرجل أحلامها ليشاركها هذه اللحظة.
الاستعراضات تضفي على الفيلم رونقا خاصا رغم بساطتها، والموسيقى تلعب دورا محوريا في الربط بين الأحداث، فتقذف بالمشاعر على معظم اللقطات، وأغاني فريق الأبا الممتعة والخالدة تمثل عبر المواقف المختلفة النقلة من مرحلة إلى أخرى ومن جيل لجيل من أبطال العمل، لتعكس حالة رائعة من التفاؤل، تنتقل من جيل الأم إلى جيل الابنة وخطيبها، ويلعب دوريهما دومينيك كوبر وأماندا سايفيلد.
يسجل الفيلم ردود الأفعال خلال هذه المواقف على أنغام مقطوعات موسيقية مثل (تشيكيتا) أو الطفلة الصغيرة.. و(نقود نقود).. أو (الفائز يحصل على كل شيء)، لتصور مشاعر الخطأ والتسامح والغفران، كقيم إنسانية لا غنى عنها.
كما تعبر هذه الأغنيات القديمة عن الفرص الضائعة، ولكنها تذكر في الوقت نفسه أن هناك فرصا أخرى قد تسنح ولا يجب إضاعتها، وفقا لنجمة «أفلام الشيطان يرتدي برادا» و«كرامر ضد كرامر» و«منزل الأرواح» و«صائد الغزلان».
تلعب النجمة ميريل ستريب دور الأم «دونا» وهو يتماشى بصورة كبيرة مع أسلوبها وأفكارها، وتسعى من خلاله للحصول على شيء أكثر مما حصلت عليه من تقدير وجوائز، فهو سيبقى في ذاكرة جمهورها وأرشيف تاريخها السينمائي، عملا متميزا يمس القلب، ويشفي غليل الانتظار لفيلم يحرك المشاعر، بعيدا عن دم الشاشة وأفكار العنف التي تجاوزت العقول.
ورغم أنها بلغت الستين من عمرها، إلا أن نجمة السينما الأميركية المخضرمة ميريل ستريب، لا زالت تمثل أسطورة حقيقية في عالم الفن السابع، يتجاوز إنجازها الفني أقصى ما يمكن أن يحلم به ممثل على الإطلاق.
هي واحدة من أبرز نجوم هوليوود، تملك جميع مواصفات الفنان الحقيقي، تنتقي أدوارها بعناية وحذر، تحضر للدور بجدية وحرص، تؤدي أدوارها بروعة وإتقان، فرضت نفسها على ترشيحات الأوسكار 14 مرة، وفازت بها مرتين، وترشحت للكرة الذهبية 16 مرة وفازت بها ثلاث مرات، كما أنها فازت 6 مرات متتالية بجائزة «اختيار الجماهير» الأميركية.
ويأمل المنتجون في أن يحقق الفيلم نجاحا ساحقا مماثلا للنجاح الذي حققته المسرحية المأخوذ عنها العمل، والتي عرضت في أكثر من 130 مدينة منها دبي والدوحة، وحققت المسرحية التي تحتوي على 22 من أشهر أغاني فرقة آبا الغنائية الشهيرة عائدات وصلت إلى أكثر من 6,1 مليار دولار أميركي في العالم.
وتم تصوير أحداث الفيلم بين لندن واليونان، وقام أعضاء فرقة «آبا»، وكاتب الأغاني «بيني أندرسونوبيورن أولفايوس» بالعمل كمنتجين تنفيذيين للفيلم وكذلك ''توم هانكس''، وكتبت سيناريو السينما كاترين جونسون وأخرجته فاليدا لويد.
المدهش في فيلم «ماما ميا» هو إيقاعه السريع، ومشاهده المليئة بالسحر والجمال، وأداء الممثلين الذين تهاوى أمام تعبيراتهم أقنعة وجوههم الجامدة، ليبدو الإنسان على حقيقته العذبة التي أخفاها طويلا وراء قناع الصرامة.
كما كانت الموسيقى التصويرية والتي امتزجت بأغاني فريق أبا، كومضات تم ترجمتها من خلال لوحات سينمائية تداخلت فيها الأضواء والظلال، بالمشاعر المحسوسة والمنطوقة.
واعتمدت المخرجة على تبسيط الديكور وتحديد الأماكن، ليتحول كل كادر سينمائي إلى لوحة فنية مستغلة درجات اللون في الملابس وانعكاسات الضوء، وطبيعة اليونان الخلابة ولون مياه البحر، وحركة المجاميع وأدائهم الراقص الذي بدا عفويا ليضفي إبهارا على الصورة.
من الصعب أن نقول الحقيقة في كل وقت، فالحقيقة قاسية ومؤلمة، ولكن من خلال الفن نستطيع أن نقول كل الحقيقة، ونسعد بها حتى ولو تألمنا، ونصفق لها حتى لو اكتشفنا مدى الخدعة التي نعيشها.
وهذا الفيلم قال كل الحقيقة، وضحكنا كثيرا، وانتبهنا كثيرا، وامتلأنا بالمتعة كثيرا، خصوصا عندما ينتهي وجميع أبطاله وشخصياته فوق قطعة من الأرض عائمة على سطح من الماء، الخارج من نافورة، يتغنون ويعزفون الموسيقى ويرقصون، ويضحكون ويقبلون على الحياة بتفاؤل وحب ونشوة.
انتهي فيلم ماما ميا.. الساحر وانتهت مدة عرضة على الشاشة. وبقي الجميع في صالة السينما يسترجعون ما فعل ويرددون مع تيترات النهاية، كلمات أغاني فريق الأبا التي غسلتنا من الأعماق، وأزاحت عن كاهلنا متاعب الحياة ومعاناتها، وسرت سعادة بالغة، نفضت عن المشاعر أكوام الصدأ والتلوث، لتعلن أنها مازالت حية نابضة، رغم كل الضغوط والأزمات.
فلاش
كان فريق «أبا» هوس الشباب في السبعينيات، وفي الأفلام المصرية التي صدرت في تلك الفترة كان يتم التعبير عن غرف المراهقين بوضع صور الأعضاء الأربعة على الجدران. باعت ألبومات «أبا» أكثر من 370 مليون نسخة، وهو الرقم الأكبر في التاريخ بعد البيتلز وإلفيس بريسلي.
تم تكوين الفريق عام 1970، وهو فريق موسيقى سويدي، الأنجح من هذه الدولة حتى الآن. وقد قيل في الفترة الذهبية ل(أبا) إن الموسيقى هي أهم صادرات السويد! أعضاء الفريق هم «بيني أندرسون»، «بيورن أولفيوس»، «أجنيثا فالتسكوج»، و(آني فريد لينجستاد).
والاسم «أبا ءء» أتى من تجميع الأحرف الأولى من أسمائهم. قدم الفريق لونا جديدا من الموسيقى، كان هو الأكثر انتشارا خلال السبعينيات، وقد حاول الكثير من الفرق تقليد أسلوب «أبا» كتوليفة جاهزة للانتشار، إلا أن أيا من تلك الفرق لم يصادفها النجاح.
ولم يقتصر تأثير «أبا» الطاغي على الموسيقى فقط، وإنما أيضا على خطوط الموضة في ذلك العصر، والعروض التليفزيونية والموسيقية.
دبي ـ أسامة عسل


