لا يختلف اثنان على أن بلاد الرافدين هي مهد الحضارة العالمية الأولى على وجه البسيطة، فالفنون وأسس البنى الهندسية ترعرعتا على ضفاف الفرات ودجلة، ولا أدل على الموهبة الخلاقة للشعب العراقي سوى تلك الأبنية القديمة التي شيدت بأساليب عمرانية مذهلة، آلاف السنين قبل الميلاد.
ولكن الإنسان العراقي الوارث لتلك الحضارة العريقة لا يكف عن منح الإنسانية شيئاً كبيراً من إبداعاته بالرغم من الظروف السيئة التي يمر بها. ويجتمع فنانون وحرفيون عراقيون حالياً في مشاغل هيئة التراث والفنون الشعبية في بغداد. حيث يولي المسؤولون اهتمامهم هناك للحفاظ على التراث الشعبي مثل النحت وصناعة السجاد، وتسعى هذه الهيئة العراقية إلى تشجيع وتطوير الصناعات التقليدية، بعد أن واجهت تلك الصناعات ركوداً كبيراً بسبب الأوضاع الأمنية، وهجرة أعداد كبيرة من الفنانين الموهوبين إلى خارج العراق.
حيث امتلأت بهم مدن العالم في أوروبا والأميركيتين والدول العربية، ولم يتخلَ هؤلاء عن مواهبهم، التي أصبحت بالنسبة للمهاجرين مصدر كسب ولقمة العيش، فضلاً عن التقدير الكبير الذي يحظى به الفنان العراقي في الخارج. وعلى الأغلب تعكس الأعمال الفنية العراقية، صورة لواقع المعاناة اليومية للعراقيين، وهو دليل على التصاق الفنانين العراقيين بوطنهم والحنين إليه.
وفي ورش الهيئة العراقية لتطوير التراث والفنون الشعبية، تكتشف وجود حشد من النساء العراقيات اللواتي يقبلن بحماس على العمل في الورش الفنية التي تصنع السجاد المزركش بالصور، أو ينحتن التماثيل المعبرة عن المعاناة، وبصورة خاصة لدى المرأة التي عليها أن تكافح من أجل لقمة العيش، وأن تصبر على فقدان زوجها أو ابنها أو أخيها، حتى تستمر الحياة هناك.


