في خضم ما يحدث حاليا من ظهور للرجال الراقصين على «واحدة ونص»، ليس على مستوى الأعمال الفنية و«الكليبات» المنتشرة فضائياً وإنما لتفاقمها، حتى سرى الرقص كالنار بالهشيم لدى الشباب في الشوارع والمناسبات العامة، لتنقلب الآية فتجلس الفتاة على كرسي تراقب الشباب في وصله لـ «هز الوسط»!.
«الحواس الخمس» حاورت مجموعة من راقصي الباليه حول مهنتهم كمحترفين في فن الباليه، إظهاراً لخفايا ومصاعب تلك المهنة مؤنثة الهوية، ورجولية الفكرة.عن بداية عمله كراقص بالية يقول محمد عبد الحميد الشهير ب«كمبا»: منذ الصغر، والرقص يشكل حالة غريبة في داخلي، لا يمكنني تجاوزها، فبدأت كهاوٍ ثم احترفت الرقص الشعبي مدفوعا بالإغراءات المادية المرتفعة، والعروض الجيدة من قبل الفرق المسرحية والاستعراضية، فبدأت العمل راقصاً حين كان عمري 12 عاماً.وتنقلت بين فرق الفنون الشعبية ومسارح الأوبرا، والباليه الذي درسته وأنا في التاسعة من عمري، وحصلت بعد ذلك على دبلوم فن الباليه الذي يعادل الثانوية العامة، ومن ثم حظيت بشهادة بكالوريوس فنون مسرحية، وحاليا أعمل راقصاً بدار الأوبرا المصرية.
الرقص المسرحي
ويضيف الراقص محمد فضلون: بالنسبة لي الأمر مختلف كلياً، فأبي وهو مخرج مسرحي، دفعني لألتحق بمعهد الباليه التابع لدار الأوبرا، لأجد نفسي لاحقاً أتدرج في هذا المهنة، حتى صقلت مواهبي تدريجياً وحصلت على مؤهل أكاديمي في الرقص المسرحي.
ويؤكد محمد مصطفى «بوذو» العائد حديثا لممارسة الرقص: أتعبني الرقص كهواية وعمل في نفس الوقت، فنحن للأسف وبعد هذه السنين الطويلة التي أمضيناها راقصين، لا نجد الدعم الكافي مهنيا، فلقد تعرضت لإصابة وكسر في الساق أثناء عملي بإحدى عروض الأوبرا المصرية، إثر سقطة مفاجئة.
وللأسف لم تدعمني دار الأوبرا أثناء فتره علاجي، لذلك قررت الانسحاب والهروب من هذا الواقع المؤلم، وهاجرت إلى ايطاليا والطريف أنني تعرضت لحادث سير هناك قبل استكمالي لكافة الأوراق الرسمية الخاصة بالإقامة، ولكن فوجئت برعاية ومعاملة لم أجدها في بلدي وقد كنت الراقص المحترف لأكثر من 15 سنة!.
نظرة سلبية
ويقول محمد عبد العزيز «زيزو»: لا زلنا نعاني من نظرة الآخرين السلبية، وخصوصا في مجتمعاتنا العربية كراقصي باليه، حيث نواجه بشكل دائم وبصورة مستفزه تحرشا لفظيا أو جسديا من قبل بعض الشباب الشواذ جنسياً من خارج المهنة، ومنهم غير بعيدين عن الوسط الفني، الذين يعتقدون أن كل من يعمل كراقص باليه شاذ بالدرجة الأولى، وهذا بالطبع منافٍ للواقع.
وأنا عانيت من هذا الأمر بصفة خاصة، وخصوصا في الوسط الفني أثناء عملي مع عدد من مخرجي الفيديو كليب المشهورين، الذين حاولوا إغوائي أثناء جلسات التصوير، فكانت تصرفاتهم تصيبني بالإحباط والغضب، ولكن مع الوقت تمرست في صدهم بدبلوماسية شديدة، مع التركيز على إنهاء عملي معهم في أقصر مدة ممكنة.
ويُرجع الراقص فاروق محمد جعفر«روئه» هذا الواقع بالتحديد إلى العديد من الأسباب فيقول: طبيعة عملنا التي تؤثر على تكويننا الجسماني شكلا ووزنا، وكذلك ملابس الرقص الضيقة والشفافة التي تبرز أضق تفاصيل الجسد وتحده، بالإضافة إلى ملامح الوجه بعد وضع مساحيق التجميل وفق ما يتطلبه العرض المسرحي، كل هذه الأمور تضعنا دائما في مواقف محرجة.
وبسبب عملنا مع الإناث، ومع مرور الوقت، من الطبيعي جدا أن نشاركهن صفاتهن الأنثوية، في الكلام والمشي والتعبير، ولكن ما لا يعلمه الكثيرون أن هناك فرقا بين (البلارينا) راقصة الباليه، و(السويست) راقص الباليه المحترف، الذي يؤدي الرقص التعبيري.
وهو أقوى وأصعب أشكال الرقص المعروفة، حيث يعتمد على جمالية جسد الراقص ومقدرته على الإفصاح عنها حتّى صارت مفردات الرقصة في الراقص الفرد أو المجموعة هي حركة الأقدام «الخطوة» والإيقاع التي تتحرّك يمنة ويسرة.
إحساس الراقص
ويضيف: أما الانسجام بين اللحن واليدين، وتناغم حركتي الأقدام والجسد، بين الإيقاع والنغم بمدلول جمالي معين، ثقافي ديني تقليدي تاريخي، فهو نابع عن إحساس الراقص بمفهوم اللحن أو الرقصة وتفاعله الروحي معها.
وتاريخيا فالرجال هم أول من رقصوا الباليه ولعبوا كل الأدوار، وكانوا يؤدون دور المرأة من خلال وضع الأقنعة، واستمر ذلك حتى العام 1681، حيث شاركت أول راقصة باليه في التاريخ «جيان فاندن» في عرض «انتصار الحب».
وقد استخدم راقصو القرن الثامن عشر الأقنعة و«الباروكات» والأحذية ذات الكعوب العالية وثياب عصرهم، وأول من كسر تلك القاعدة، كانت الراقصة الفرنسية «ماري كامارغو» من خلال ارتدائها تنورة أقصر قليلا من المألوف مع حذاء مسطح وذلك لإظهار حركة الساقين في الإيقاع والقفز.
وعما إذا كانوا يشعرون بالخجل وعدم الرضا عن مهنتهم، يقول «كمبا»: لا اعتقد أنها مهنه مناسبة للشباب، لأن هناك الكثير من المسؤوليات والتبعات الاجتماعية تقع على عاتقهم، وأتمنى لو كان لي مصدر دخل آخر، لا سيما أنني في طريقي إلى الزواج، وقد تعرضت لمواقف محرجة جداً بسبب طبيعة مهنتي.
ومنها: عندما تقدمت لخطبة فتاة قبل ثلاثة أعوام قوبل طلبي بالرفض، وقيل لي «أنت راقص باليه، ليس لديك دخل ثابت، وماذا ستقول لابنك في المستقبل؟
وكيف له أن يفخر بوالده الراقص؟»، وغيرها من الأسباب التي من وجهة نظرهم ونظري كذلك جوهرية، وللأسف كان لدى أمل كبير في الزواج من هذا الفتاه تحديدا، للعلاقة الحميمة التي تربطني بكل أفراد أسرتها بحكم الجوار والعشرة الطويلة.
مصدر دخل
وفي السياق ذاته يعود محمد فضلون للقول: لا أرى انه من الواجب الاعتماد المطلق على مهنتنا هذه كمصدر دخل، وذلك بسبب عمرها القصير، فراقص الباليه محكوم بسن معين بعدها لا يستطيع مواصلة الرقص الاحترافي، وينتقل إلى تدريب الشباب الجدد إذا كان مؤهلا أكاديميا.
وبذلك يصبح موظفا في أحد معاهد الباليه، أما الأمر الخطير فهو أن يتعرض الراقص للإصابة، وهو أمر وارد جدا، فنحن كما بقية الرياضيين ولاعبي كرة القدم تحديداً، أقدامنا هي مصدر ثروتنا، فإذا تعرض الراقص للإصابة في الرباط الصليبي تنتهي بذلك حياته على خشبة المسرح، وتكون النتيجة انه بلا عمل، فيضيع مستقبله الوظيفي.
ويعقب «بوذو» على موضع الإصابة قائلاً: إنها نتيجة طبيعية، ولكن لا بد ألا نستسلم لها، فلكل منا طموحاته في إقامة مشروع صغير بعيداً عن عمله كراقص، وهو ما يضمن له الاستقرار المادي والاجتماعي، نظرا لأننا جميعا نعيش ظروفا مشابهة، كمسألة الارتباط والزواج.
من جانبه يقول الدكتور عاطف عوض مصمم الاستعراضات الشهير الأستاذ بالمعهد العالي للباليه: أنا مستاء حقيقة من ظاهرة رقص الرجال.
ولكنْ هناك فرق بين راقص الباليه أو راقص الفنون الشعبية، وبين أولئك الذين يهينون هذا الفن بما يلحقون به من إسفاف، مؤكدا أن الرقص الشرقي تحديدا كان وسيظل مرتبطا بالنساء، لكونه يعزف على أوتار الأنوثة، ومن ثم فإن ممارسة الرجال له ليست إلا إسفافا وابتذالا لا مبرر له.

