الرقص هو أقدم الفنون الجميلة على الإطلاق، فاتصاله بالموسيقى ظل وثيقاً، حتى استخدمت الأدوات الإيقاعية في تنظيم حركاته وتقويتها، وظلت تلك الأدوات ملازمة له منذ نشأته الأولى وحتى الآن.
عندما نرمي بأبصارنا بعيداً عبر الماضي وقبل الميلاد بألف عام، نرى أنه كانت تسود وقتئذٍ عقائد وثنية متعددة ومتزامنة في وادي النيل وبلاد الرافدين، وبدا من نقوش قدماء المصريين، ونقوش الآشوريين على جدران معابدهم، أن نوعاً من الرقص كان يمارس ضمن الشعائر الدينية المعهودة وقتها، يشبه إلى حدٍ بعيد الرقص الشرقي في عصرنا هذا.وكانت الآلهة في طبيعتها رموزاً لمواطن القوة والغنى والنماء في الطبيعة المحيطة بالإنسان، وقد ورد ذلك الوصف في بعض كتابات سقراط، وغيره من المؤرخين الإغريق، حيث كانت ترسل الفتيات إلى تلك المعابد من منطلق وازع ديني، تحت مسمى خدمة الآلهة، فكن يستخدمن لممارسة نوع خاص من البغاء يتطبع بطابع القدسية.
فضلاً عن ممارسة نوعٍ من الرقص في المناسبات والأعياد والشعائر الخاصة كطقس من طقوس العبادة والتقرب، وكان هذا النوع من الرقص يبرز الجزء الأدنى من البطن أو «الرحم» باعتباره مصدر الخصوبة التي تمنحها الآلهة!حانات اللهو انتقل الرقص الشرقي في أزمنة ما بعد الميلاد وبعد انكماش رقعة الوثنية في المشرق، من طقوس المعابد وشعائر البغاء المقدس، إلى حانات اللهو وأسواق النخاسة، وصار طقساً من طقوس المتعة التي تقدم للرائح والغادي، دون مواربة بذرائع كهنوتية أو اتشاح بعباءات القداسة الوثنية، كان كأي سلعة تقدم لمن يدفع ثمنها.في القرن الميلادي الأول، تحدث الكاتب الروماني «مارشيال» عن رقص نساء قادش، (جنوب إسبانيا)، ووصفه وصفاً يطابق في مضمونه وصف الرقص الشرقي المعروف.وذكر أن نساء تلك المدينة قد تعلمن ذلك الرقص من امرأة تدعى «إستر فان لو».ويرجح الكتاب أنها فينيقية، أي يعود أصلها إلى المنطقة الواقعة على ساحل لبنان وسوريا، ومن المعقول أن يكون ذلك الرقص قد انتقل من شواطئ فينيقية إلى شواطئ الأندلس القديمة عبر تجارة الجواري والرقيق.
وعبر القرون الوسطى، سرت هجرات الغجر من الهند وفارس عابرة الشام ووادي النيل، بالغة جنوبي القارة الأوروبية، واحترفت كثير من نساء الغجر مهنة الرقص، وتقديم المتعة للجنود والتجار والمرتحلين، وسُمّين في مصر «الغوازي».
«الغوازي» والجنود
ومما يذكر أنه حين جالت جموع من الجنود والسياح أرض مصر في أواخر القرن الثامن عشر، ومطلع القرن التاسع عشر، تتبعت الغوازي أو الراقصات معسكرات الجنود وجموع السياح يرقصن لهم، ولعل هذا ما أطلع الرسامين الفرنسيين على ما قاموا برسمه على لوحاتهم.
وما تم نشره في كتب مثل «وصف مصر»، غير أن هذا الأمر قد أصاب الحاكم المحلي للبلاد وقتها باستياء شديد، فأمر بنفي أولئك الغوازي والراقصات إلى «إسنا».
أما الصنف الآخر من الراقصات الذي عرف في القرون المتأخرة، فهو «العوالم»، والعوالم هي الكلمة التي درجت على ألسن العامة جمعاً للفظ «عالمة»، والعالمة كانت تتميز عن الغازيّة أو الغجرية بأن لها علم بالموسيقى والألحان والعزف على العود، وأحياناً كانت تحفظ العالمة بعض القصائد والأشعار التي تقوم بغنائها إطراباً للمستمعين، كل هذا طبعاً فضلاً عن الرقص. ويبدو أن العوالم كن نوعاً «راقياَ» ـ إن جاز التعبير ـ من الجواري أو الإماء، فحين وجدت العوالم، وجد «الأستاذ».
وهو الرجل الذي يشتغل بتدريب وتجهيز وبيع العوالم، وكان من الممكن أن تشتري عالمة تلحقها بمنزلك إن كنت رجلاً ثرياً، لأنه كان أمراً باهظ التكلفة، ونظراً لأن الاحتفالات والمناسبات العامة لم تكن تختلط فيها النساء بالرجال، فإن غناء ورقص العوالم في الأعراس وما إليها من المناسبات كان في مجلس النساء.
رقص الرجال
في القرن التاسع عشر، كان الرجال الذين يمارسون مهنة الرقص الشرقي يتمتعون بصيت أكبر من النساء، وفي كتاب «أخلاق وعادات المصريين المحدثين» لمؤلفه المستشرق إدوارد لين، حول المجتمع المصري في القرن التاسع عشر، قال: إن ممارسة الرجال للرقص الشرقي كانت سائدة، وذلك لتسامح المجتمع مع رقص الرجال، ورفضه أن ترقص النساء أمام الرجال.
ولهذا منعت الراقصات أو «الغوازي» من الرقص في القاهرة. الراقص «تيتو» يعد حالياً من أشهر الراقصين الذين تألقوا بمهنة الرقص الشرقي، بل وتفوقوا على الراقصات، وإضافة إلى تيتو يوجد محمود شاكيرا وفريد مصباح وغيرهم، وحجة هؤلاء أن الرقص الشرقي يستوعب الجنسين، مثل الباليه وكل أنواع الرقص الأخرى.
عاد إلى مصر رجالها المحترفون في الرقص الشرقي بعد فترة عانوا فيها من النظرة الدونية، وكانت عودة هذه الظاهرة بالتحديد، لافتة لدرجة أثارت وسائل الإعلام الدولية على خلاف دول أخرى قريبة من مصر، مثل تركيا ولبنان، حتى تمكن الرجال من الفوز بثقة أكبر والتأهل ليكونوا زبائن دائمين للنوادي الليلية، فبات الرقص بحد ذاته «بزنس رجالي».
والملحوظ أن المصريين ينظرون نظرة مختلفة للراقصين من الرجال، حيث يربطون بين الرقص الشرقي والشذوذ الجنسي، ونقلت نشرة «بلومبيرج» الإخبارية عن الراقص «فريد مصباح» قوله: «إنني أحب الرقص، فهو يثير المشاعر، وأنا أقوم بذلك منذ كنت صبياً».
أما الراقص الشهير «تيتو سيف»، فيرتدي جلابية عادية عندما يقوم بوظيفته في ملهى معروف بالقاهرة، ويقول تيتو «إنه لا يتعين على الراقص أن يقلد المرأة في رقصها، وهنا ينبغي أن لا ننسى أننا رجال يتعين علينا أن نرقص كرجال».
الرقص زوبعة فنية أثارها سعد الصغير
ساعد رقص «سعد الصغير» في الأعمال الفنية التي يؤديها في انتشار الظاهرة اجتماعياً، بتعبير أدق فقد شجع سعد الرجال على الرقص، خاصة وأن فرقته التي تضم 71 فرداً يشاركونه الرقص في الأفراح العديدة التي أصبح «سعد» نجمها المفضل.
المؤكد تاريخياً، أن سعد ليس أول رجل يهز وسطه، وقد سبقته أسماء عديدة أبرزها الفنان محمد سعد، في رائعته الخالدة «اللمبي»، ومن ثم توالى الرقص في أفلامه اللاحقة، لتنتشر في كثير من الأفلام بعد ذلك وبالأخص الكوميدية، غير أنها لم ترتبط بالابتذال أو بالإسفاف، إلا بعد ظهور سعد، وإصراره على الرقص بهذه الصورة.
وعلى مرأى ومسمع من الجمهور في العرض الخاص لفيلم «عليّ الطرب بالثلاثة»، غير أن سعد الصغير وكما رفعه هز الوسط إلى قمة المشهد الفني، كان سبباً في هبوط نجمه إلى حد تكفير الصلاة في المسجد الذي شيده، بل وحرمانه مؤخراً من الظهور في التلفزيون المصري كما تردد، وعلى العكس تماماً مما هو متوقع كانت رقصاته سبباً في ضرب نجومية المطرب الشعبي في مقتل.
وذلك بعد أن عززت حمى «الرقص النسائي» التي أصابت الرجال في السنوات الأخيرة، والتي لقيت رواجاً من قبل سعد وفرقته، وهو ما عبر عنه «بالاستياء» المخرج الدكتور شريف صبري، مشيراً إلى مدى «التقزز الذي يشعر به كمشاهد عندما يرى رجلاً يرقص ويهز خصره على واحدة ونص».
دبي - رشا عبدالمنعم


