هل جربت مرة أن تستنطق حبات الرمال عما فعله بها البحر والريح، هل عانقت مخيلتك ظلال الماضي وأنت ترى بعينين مغمضتين قليلا ارتفاع أحد أبراج المعمورة.

كل الذين مروا من هنا داعبت حبات الرمل خيالهم، وقادتهم إلى مناطق بعيدة، ومنهم بسام بلان وهو يمضي يوقع على مشروع قصص قصيرة مرئية أسماها «حكايا البر والبحر»، وفيها يقدم صباح كل ثلاثاء على تلفزيون دبي واحدة من جولاته التي يقوم بها في أرجاء الإمارات، متنقلا من أقصاها إلى أقصاها حاملا معه عبء البحث عن معلومات موثقة، وأشخاص يقرأون الأمكنة وصفحات التاريخ البعيد والقريب بفراسة وذكاء، تراهم يقولون ما يعرفون مستندين على قصص تلقفوها من هنا وهناك سمعوها من آبائهم وورثوها عن أجدادهم ولكن هل كل ما مضى إليه البرنامج وجده؟

يقول بسام في حديثه إلينا وقد بصم البرنامج على وجهه حينما داعبته شمس الظهيرة قليلا: «البرنامج خطوة طموحة من أجل تقريب المشاهد من أجواء عاشها الإماراتيون قديما، ربما نغوص قليلا في التاريخ لنعثر على صورة جميلة ومعلومة حقيقية، وقد لا نعثر، فنبحث أكثر كي يطيب الكلام في حضرة جماليات المكان.

ويضيف: لم أكن أتوقع أن يحقق العمل كل هذا الحضور وأن يحظى بمثل هذا الإقبال، والحمد لله تعتبر كلمة شكرا أو الانطباعات الايجابية الكبيرة التي ينقلها إلينا الآخرون، ثمرة التعب الحقيقي الذي يبذل من أجل فقرة نبثها في برنامج يطل مع شروق الشمس على أجمل ما عاشته الإمارات السبع منذ أن شهدت ولادة أول إنسان، وترانا نحرص على ان ننقل حكايات الإنسان والمكان في رحلتنا الطويلة والمتعبة في «حكايا البر والبحر».

ومع كل يوم سبت ومع ولادة يوم جديد، يقوم بسام وزملاؤه من المصورين والفنيين بحزم أغراضهم، متوجهين إلى مناطق جديدة في الإمارات، وهو وحده يعرف تفاصيل سفره في الزمان، ويبدأ حكايته من خور دبي وهو يتغزل بتلك الحالة الفريدة التي غزت بها مياه البحر شواطئ دبي، وتراه يقول عن الخور: «اتخذ طريقه من البحر باتجاه الصحراء قبل آلاف السنين، ليصبح خليجاً أثيراً للنوارس ومراكب الحرير والبخور، وربما لم يكن يدري أن لؤلؤة ستخرج من الماء وتصبح مدينة بجناحين، حول هذا المدى، اسمها دبي.

الحاضر، عادة ما يجتر أسطورته من جغرافيته، فهل خرجت عروس البحر من الماء بشعرها المبلل الطويل، واتجهت نحو الرمل، فصارت آثار أقدامها.. خور دبي؟

أم أن هذا المدى المائي الساحر، رأى عروس الخليج في طفولتها، فآمن بها وبقدرها معه، فأعلنا معاً مهرجان شباب دائم؟ ربما، وربما للإسطورة شكل آخر، فخور دبي يتأوّل إلى قراءات كثيرة، طالما يحتضن سر الماء وأبجديته مفتوحة المفردات، قد تكون أولى مفردات خور دبي، تلك المراكب الهاجعة إلى المرفأ المربوطة بالحبال، إنها مراكب البحارة القادمين من آسيا».

ويبدو أن بسام يعتمد على تسجيل انطباعات الكلمة والصورة في مناطق تزورها الكاميرا ربما لأول مرة، كي تقتطف بعضا من ذاكرتها وذاكرة أهلها لإعادة تقديمها تقديما أدبيا تلعب الكلمة فيه دورا حيويا، من خلال نقل الإحساس بالحب والذاكرة والحنين إلى تلك الأيام.

حكايا البر والبحر مشروع بدأ بخطوة، وهو يمضي بين مسجد البدية وحتا ودبا الحصن والخور وغيرها من الأماكن، ونأمل ألا ينتهي على بعد أمتار قليلة، لأن المسافر حينما يتزود بالخيال تصبح الصورة والكلمة زوادة له في طريق طويل، يطول ويطول ويبقى منه ما يجعل لحكايا البر والبحر صداها، وهي تسعى لتكوين ذاكرة مرئية وتراث جميل يتعرف عليه داخل هذا المكان أو ذاك.

إطلالةالبدية تاريخياً

مسجد البدية هو أحد المعالم الأثرية لامارة الفجيرة، ويعتبر أحد أقدم المساجد في الدولة، والمؤرخون اختلفوا حول أصول تصميم مسجد البدية، فعضهم قال إنها مزيج من الهندسة السلجوقية العثمانية، وآخرون رأوا أنها مزيج من الهندسة العثمانية والفارسية.

ومن المؤرخين من يرى أنه أشبه باستراحات عادة ما تكون ضريحاً تلتقي عنده القبائل للتشاور، فيما ذاكرة أهالي المنطقة لا تقبل أياً من هذين التأويلين.

أما علمياً؛ فتشير إدارة التراث والآثار في إمارة الفجيرة إلى أنه تم أخذ عينات من أساس الجدران، وأجريت عليها تحاليل كيميائية في جامعة سيدني الأسترالية فبينت أنه بُني في نهاية النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي.

حتا أم السهول والجبال

سعة صدرها وقلبها الدافئ، زادانا طمعاً وتمادياً للتعرف عليها، والقرية التراثية، أو قرية حتا القديمة، لا تزال معلماً حياً يحكي قصة المكان منذ أن كان، فالرتوش الترميمية الطفيفة لم تحجب تاريخه.

تشكل حتا حقبة مهمة في تاريخ الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، فهي مثال للتفاعل بين المناطق الجبلية وعمارة السهول والصحارى، ولعل انتقال الخبرات بين قرية حتا ومدينة دبي قد أثرى الفكر المعماري بتفاصيله الدقيقة والمتميزة.

حصن حتا..أو منزل الوالي، لا يزال يعج بالحياة رغم خلوّه إلاّ من الزائرين، ولا يزال شاهداً حياً على أسلوب حياة امتد طويلاً وتوقف زمنياً.. وبقي..وسيبقى لأزمان محفوظاً في الذاكرة.

ولعل وقوع الحصن بين بيوت الأهالي يدلل على طريقة الإدارة التي كانت سائدة حينذاك، فقد كان يستعمل كمركز للقاءات العامة، وكانت تناقش فيه أحوال البلاد والعباد في أوقات السلم والحرب، بحضور الوالي، الذي كان يمضي أكثر أوقاته فيه، وقد بُني الحصن من البازلت والطين وفق طراز الهندسة الإسلامية.

دبي ـ جمال آدم