تعاني من مشكلات وعقبات أهمها التهميش لحساب الفيلم الروائي وعدم تعويد المشاهد العربي على هذه النوعية من الأعمال
لا تقل الصورة اليوم أهمية عن الكلمة المكتوبة، بل ربما صارت أهم في التعبير عن أوجاع الناس وأحلامهم.. ذاكرة التاريخ اعتمدت على النص المكتوب إلى جانب الحجر في النحت والعمارة، لكنها ظلت محرومة طويلاً من الصورة. وتشكل السينما في وقتنا الراهن أهمية بالغة في ترجمة هموم العصر ومشكلاته.
وتمتاز الأفلام الوثائقية بحفظ الذاكرة التاريخية للشعوب، وما تواجهه في حياتها اليومية من تحديات ومصاعب وما تقوم به من أعمال في عالم مضطرب يعتمد على الصراع من أجل تحقيق مصالحه ومكتسباته.
وتختلف الأفلام الوثائقية اختلافاً جوهرياً عن الأفلام الروائية وإن استمد كلاهما مفرداته من الواقع، فعلى حين يدخل الخيال عنصراً رئيسياً في الأعمال الروائية حيث يعيد الكاتب خلق الواقع، من خلال رؤيته له، مطلقاً لخياله العنان يصطنع وقائع وشخصيات تكاد تشابه الواقع لكنها لا تتطابق معه، يحدد مصائر شخصياته، ويدفع بهم درامياً، إلى ذلك المصير.. إنها إعادة بناء الواقع.
أما الأفلام الوثائقية فهي تلك التي تأخذ مادتها من الواقع مباشرة دون إعمال الخيال، ويعيد الفنان تنظيم وترتيب ذلك الواقع وتلك المعطيات من خلال رؤيته الخاصة، والتي يريد للمشاهد أن يرى الواقع من خلالها، فالواقع دائماً متاح لكل الفنانين لكن رؤاهم تختلف باختلاف قدراتهم وثقافتهم.
إن أهمية السينما الوثائقية تنبع من الحاجة إلى إعادة اكتشاف الواقع والتعرف عليه من خلال رؤية الفنان، بطريقة التصدير المباشر للحقائق الواقعية، أو بواسطة المحاكاة الدقيقة والأمينة لهذا الواقع بهدف مخاطبة العقل أو الوجدان وبغرض إثارة الرغبة في المعرفة والفهم الإنسانيين.
وهنا يجب أن نذكر أن «الأرشيف» السينمائي يمثل الشاهد التاريخي الحقيقي الذي يدخل في بناء الوثيقة السينمائية والتي تشكل النسيج المتجانس لفكرة الفيلم لأنه من المستحيل تحريف الحقيقة إذا ما أردنا أن نصنع فيلماً وثائقياً يرتبط بالأحداث المهمة من التاريخ.
وتعاني صناعة الفيلم الوثائقي في العالم العربي مشكلات وعقبات عديدة، أهمها التهميش الذي تعرفه من قبل دور الإنتاج مقابل اهتمام مفرط بالفيلم الروائي الذي ظل دون منازع المهيمن على المشهد السينمائي العربي لأسباب عديدة.
فهناك عدم احترام للفيلم الوثائقي في عالمنا العربي وهناك أيضاً عدم تعويد للمشاهد على هذه النوعية من الأعمال، رغم اهتمامها عن قرب بواقع الإنسان وهمومه. وتتحمل القنوات التلفزيونية العربية العامة والخاصة المسؤولية كاملة على تهميشها وعدم برمجتها على حساب أفلام روائية تفسد ذوقه ولا تفيده في شيء.
ولنقارن بين الوثائقي في الغرب والوثائقي عندنا العرب، الفرق شاسع وكبير، إنهم يقدرون هذه النوعية ويهتمون بها لأنها صادقة أكثر ومخلصة للواقع وتعالج مواضيع حقيقية تنطلق من الإنسان وتتفاعل معه، واستطاعت خلال السنوات الماضية أن تنافس الأفلام الروائية، وتحصد جوائز لمهرجانات عالمية مثل فيلم مايكل مور «فهرنهايت 11/9» والذي حصل على جائزة مهرجان كان السينمائي عام 2004.
من بين المشكلات التي لا تزال تقف حجر عثرة أمام الأفلام التسجيلية «الوثائقية» أنها لا تعرض في قاعات السينما على غرار الأفلام الروائية، وبالتالي لا تحظى باهتمام المنتجين والممولين لأن لا جمهور لها.
وبما أنه ليس هناك سوق للأفلام الوثائقية العربية، لا نزال نعيش فترة التعويل على الآخر، وأعني هنا الدبلجة عن القنوات الأجنبية، التي لها الجرأة والخبرة الكافية حتى تمرر وجهة نظرها الخاصة التي قد لا تنطبق مع الواقع والعقلية العربيين.
وتعمل على ترويج ما تريد من أفكار وتوجهات في مناخ سهل وأرض خصبة. إن الأوروبيين والأميركيين أنشأوا بالفعل قنوات تلفزيونية تركز كلياً على الأفلام الوثائقية بجميع أنواعها، فهناك «أرتي» الفرنسية الألمانية، و«الخامسة» الفرنسية»، و«بي بي سي» الإنجليزية و«ديسكيفري» الأميركية»، و «زاد دي أف» الألمانية، في حين لا توجد سوى قناة الجزيرة الوثائقية وهي العربية الوحيدة المختصة حتى الآن بتلك النوعية من الأعمال.
وإضافة إلى ما سبق.. فأغلب المخرجين العرب ليست لهم دراية بتقنيات الفيلم الوثائقي التي تختلف كلياً عن الفيلم الروائي، هناك خلط كبير بين الاثنين، وجهل أيضاً بمدرسة الإخراج الوثائقي الذي هو بكل بساطة إجابة عن سؤال متى، أين وكيف أصطاد الصورة؟
من الملاحظ أيضاً أن الكثير من المخرجين العرب الشباب يعزفون عن خوض تجربة الفيلم الوثائقي كون البعض يرى أنه فيلم ناقص ولا يحب الكثير من المخرجين العرب الإشارة إليهم كوثائقيين ويفضل أن يشار إليهم كمخرجين روائيين.
كما أن المهرجانات السينمائية العربية تتعامل مع الفيلم الوثائقي فقط لتغطية الفراغ وخريطة برامجها التي تحسب بعدد الأفلام وأيام العروض تماماً مثلما يحدث على الشاشات التلفزيونية العربية.
وللأسف الشديد فان النقد السينمائي العربي في الصحف والمجلات السينمائية مع قلتها إلا انه نادراً وقليل جداً أن يخصص بعضها لتناول قضايا الفيلم الوثائقي سواء بالتعريف بالإنتاج والأفلام المنتجة والمشاركة بالمهرجانات أو بنقد وتحليل هذه الأفلام ولا ندري ما السبب، هل جهل النقاد بجماليات وأهمية الفيلم الوثائقي أم أنهم هم الآخرين يرون الفيلم الوثائقي فيلماً ناقصاً، رغم أنه باختصار شديد صورة أفضل من ألف كلمة.
فلاش
رغم تعدد تعريفات الفيلم الوثائقي فإن الاتحاد الدولي وضع تعريفاً شبه دقيق له، حيث رأى انه أي طريقة في استخدام شريط السليولويد لتسجيل أي عنصر من عناصر الواقع، ومجالات الفيلم الوثائقي متسعة باتساع مجالات الحياة وان كان من الممكن إجمال الاتجاهات العامة للسينما الوثائقية في خمسة اتجاهات هي الاتجاه الواقعي والرومانسي والسيمفوني وسينما الحقيقة والسينما المباشرة، كما تتعدد أنواع الفيلم التسجيلي وأشكاله بين الجريدة السينمائية والأفلام التعليمية والدعاية والرحلات وأفلام الفن وغيرها.
والسينما الوثائقية هي المجال الخصب لتنمية قدرات المبدعين واكتشاف رؤاهم تجاه الواقع، وهي المدرسة الحقيقية التي يتعلم فيها فنانوها كيف يرون الواقع ومن أي وجهه نظر.
والفيلم الوثائقي يأخذ مساحة يصعب حصرها في زمان أو مكان، فهو يستطيع تناول كل شيء على وجه الأرض كذلك يمكنه السفر إلى أجواء الفضاء وأعماق البحار، ونلاحظ غالباً أنه يرصد الأحداث التي تجري دونما تخطيط أو تهيئة من قبل المخرج السينمائي.
