إن الصم الذين امتحنهم الله في واحدة من أهم الحواس، يريدون منا أن نشعرهم بأهمية الإرادة والقدرة على التحدي والصبر والشجاعة في المواجهة وقهر العجز، لتتحول قواهم ومشاعرهم إلى قوة وبطولة وعطاء، ويريدون أيضاً أن نسوق إليهم الأمثلة والنماذج والقدوة، أمثال الموسيقار العالمي الأصم «بيتهوفن» والأديبة الصماء «هيلين كيلر». الأمر الذي سيجعلهم يقدمون على الحياة بابتسامة واختراق وتحد وأمل..
ومن هذا المنطلق يوضح لنا الإماراتي تركي عبدالرحمن المنصوري المصاب بإعاقة سمعية أن المعاق إنسان كسائر البشر له احساسه وكيانه وتفكيره، وطموح لا يحب الهزيمة ولا يحب نظرات العطف والشفقة، ويحتاج إلى من يفهمه ويمد له يد العون ويفتح له الباب على مصراعيه.
المنصوري طالب مجتهد في المرحلة الإعدادية يدرس بمركز أبوظبي لذوي الاحتياجات الخاصة التابع لمدرسة زايد للرعاية الإنسانية.. و لم تحد إعاقته من رغبته الجامحة في تحديها لاستكمال دراسته والحصول على أعلى الشهادات.. «الحواس الخمس» التقاه وأجرى معه حوارا عكس قدرته على مواجهة الحياة رغم الإعاقة بوجود أخيه نهيان المنصوري الذي ترجم ما أراد تركي توصيله لنا.. والى تفاصيل الحوار..
ماذا عن نشأتك؟
ولدت عام 92، وقد ابتلاني الله تعالى بفقدان نعمة السمع أنا وثلاثا من أخواتي.. إلا أن هذا لم يؤثر أبدا على عزيمتي بممارسة أمور حياتي كأي إنسان سوي.. فعلاقتي مع أفراد عائلتي حميمية جدا، وأمارس هواياتي بشكل طبيعي، ولي أصدقاء كثر، وأدرس في المرحلة الإعدادية، ولله الحمد فأنا طالب متفوق ومجتهد..
ذكرت أن لك هوايات عديدة.. ما هي؟
نعم أمارس العديد من الهوايات لا سيما الرياضية منها كالسباحة، وركوب الخيل، والبولينغ بشكل عام، وأهوى اليولة بشكل خاص.
يعارض البعض لغة الإشارة كلغة مطلقة.. ما رأيك؟
إن المعلومات حول لغة الإشارة وأهميتها لم تنشر بشكل واسع في أرجاء العالم، لذا فإن الحواجز أمام استخدام لغة الإشارة لا يمكن إزالتها في الوقت الحاضر غير أن المواظبة على نشر المعلومات حولها يزيد بلا شك من نسبة تقبلها واستخدامها.
ماذا تقول عن المدارس الحالية لتعليم الأطفال الصم؟
لا شك أن المدارس هذه الأيام أفضل بكثير مما كانت عليه، إذ يمكن اكتساب المعرفة عن طريق الإشارة، وكثير من المعلمين يدركون أهمية لغة الإشارة في قضية التعليم.
وكيف يكون الاعتناء بالصم؟
إن الاعتناء بفئة الصم يكون أولا: بمعرفة لغتهم لتكتسب ثقتهم ونرفع عنهم حالات الاستياء التي كثيرا ما تنتابهم عندما يريدون أن يعبروا عن أنفسهم وحاجاتهم ولا يجدون من يفهمهم... ثانيا: كما انه مما يرفع من شأنهم إذا تمت إذاعة نشرات الاخبار والبرامج الهامة بلغة الإشارة كما في بقية الدول العربية.
ماذا علمتك الحياة؟
بصراحة.. علمتني الكثير أهمها أن العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة في قلوبهم روح مبدعة تنتظر من يكشف عنها حتى تظهر إلى عالم النور إلا أن المتغيرات المحيطة كان لها الغلبة في بيئة أقل تفهماً لهم، فلم يتسن لهذا المبدع المعاق أن يُسند ويوضع في المسار الذي يجب، فطمست قدرته خلف أبواب الإعاقة الموصدة، وتوارى معها إنسان كان ضحية مفاهيم اجتماعية مغلوطة.. وعلى الجانب الآخر لا ننكر وجود حالات امتلكت مقومات القدرة والإبداع بفضل المساندة الاجتماعية والدعم المعنوي الذي يتلقاه المعاق من أسرته والمحيطين به.
ما هي الرسالة التي توجهها للمجتمع؟
ان تكون معاقاً ليس جريمة يعاقبك عليها المجتمع، أو سبباً للشفقة على حالك وما آلت إليه ظروفك، وإنما هي صفة تتعدى حدود حروفها لتتجاوزها إلى معانٍ مغايرة تماماً لها، تتعدى الضعف إلى القوة، والألم إلى الأمل، والحسرة إلى تغير الواقع، وقلبه لصالحك بدلاً من أن يكون ضدك.
وماذا تتمنى؟
أتمنى أن نتكاتف جميعا في مساعدة المعاق الإنسان، ونمد له يد العون، وأن تسهل أمور الدراسة والتوظيف. أتمنى من الجهات المختصة بإبراز لغة الإشارة كلغة مهمة وجديدة بين الناس والتشجيع على تعلمها وذلك بعمل كتيبات عنها ونشر مواضيعها بين أفراد المجتمع عن طريق وسائل الإعلام أو غير ذلك وبذلك نحبب جميع الناس لتعلم هذه اللغة والاهتمام بها وعدم إهمالها..
وبماذا تود اختتام حوارنا معك؟
إن الصم يريدون من المجتمع ألا يفترض غباءهم أو قلة حيلتهم أو استسلامهم لإعاقتهم بل يساعدهم تماماً أن ينظروا إليهم على أنهم قادرون على تحدي إعاقتهم وقادرون على الإبداع والمشاركة الفعالة في العديد من المجالات التي يشارك فيها أقرانهم الأسوياء.
إن الصم يريدون مساعدتهم بإخلاص على تنمية ملكاتهم وقدراتهم وخيالهم واستمتاعهم بحياتهم ومساعدتهم أيضاً على أن يضيفوا الكثير إلى معارفهم وأن ييسروا لهم المعارف الجديدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والكمبيوتر، حتى لا يكونوا متخلفين عن غيرهم من الأسوياء.و يريدون أيضا استطلاع رأيهم قبل وأثناء وبعد أن يقدم لهم ما يريدون، إنهم يريدون مشاركتهم في الخطط التي توضع لهم وأن يكون لهم وجود بشكل ما..
إضاءة
وجد تركي المنصوري في التاريخ القديم والحديث أناسا أثبتوا للبشرية جمعاء أن الإصابة بعاهة أو أكثر ليست نهاية العالم، وأن الإرادة القوية المدعومة بالموهبة قد تجعل من صاحب عاهة بطل إنتاج يسبق الأصحاء بأشواط كثيرة.. ومن هذا المنطلق شارك في برنامج الميدان.. وربما تفاجأ البعض ويطرح سؤالا: ولكنه أصم؟! هنا يجيبهم بقوله: أضع «معينا سمعيا» أستطيع من خلاله سماع الأصوات.. وشاركت في البرنامج لحرصي على إحياء تراث الإمارات من خلال رقصة اليولة..
فالبرنامج يعكس الرؤية التي يحرص سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم على تحقيقها وهي تفعيل الساحة الثقافية في الإمارات والخليج عن طريق تحفيز مواهب الشباب في الفنون التراثية المختلفة في الإمارات..
وصحيح أني خرجت من المسابقة إلا أن هذا زادني إرادة وإصرارا.. فإذا أبقينا على سلبيتنا المعهودة فلن ننال منها شرفاً وهل يشرفنا أن نزيد من آلام المتألمين؟!
إن شرفنا كامن في إرادتنا وفي الخطوة التي نندفع بها إلى التفوق على أنفسنا وفي تحطيمنا لكل فكر متخلف عتيق، فلا مخلص لنا إلا الإرادة لأن الإرادة مبدعة..
دبي ـ جميلة إسماعيل
