يبدو أن المطرب الراحل عبدالحليم حافظ، سوف يسجل الرقم القياسي في عدد الدعاوى القضائية التي أقيمت ضده في حياته وبعد وفاته. والغريب حقاً أن العندليب لم يشهد خلال حياته مثل هذا العدد من الدعاوى القضائية التي تثار حوله اليوم.

آخر هذه القضايا، كان محورا شركة «صوت الفن» التي تغير اسمها إلى «عالم الفن» ويمتلكها المنتج محسن جابر الذي نفى الأقاويل التي رددها محمد شبانه ابن شقيق المطرب الراحل عبد الحليم حافظ في الصحف، وذكر فيها انه استرد جميع أنصبة الشركاء في شركة «صوت الفن» التي كان قد اشتراها محسن جابر من الورثة، ومجموع هذه الأنصبة 75%. وأكد جابر أن ما ذكره شبانه ونقل على لسانه ليس صحيحاً بالمرة؛ حيث لم يصدر حكم حتى الآن في الدعاوى المقامة من محمد شبانة بشأن الاسترداد، ولا تزال هذه الدعاوى متداولة بين القضاء. ويقول جابر: «إن تراث «صوت الفن» لا يزال حتى الآن محاصرا بعقبة تحول دون إيجاد أي حل، وهي خلافات الشركاء الذين يملكون باقي النسب في شركة «صوت الفن»، إذ ان «عالم الفن» تمتلك 75% وورثة العمروسي 5% وشبانة 20%.

فخلال العشرة أعوام الأولى من مشواره الفني، وهي الفترة التي ذاق فيها الأمرين حتى تحققت شهرته الطاغية وعرف النجومية، وبعد مرور ستة شهور فقط على انتقاله للإقامة في عمارة «زهراء الزمالك»، واجه أول دعوى قضائية، تقام ضده من قبل أحد جيرانه في المبنى المجاور، ويدعى مصطفى توفيق البرديسي اتهمه بالإطاحة بمستقبل ابنته الكبرى «إيمان»، التي كانت تدرس في المرحلة التوجيهية (الثانوية حالياً).

حيث قال في دعواه ان عبدالحليم تسبب في رسوبها دراسياً لأول مرة، وذلك كما قال بعد أن خدعها ودفعها لإهمال دراستها، حيث تفرغت كما قال لسماع أغنياته في الإذاعة ومشاهدة أفلامه مرات عديدة في صالات السينما. وتم رفض الدعوى الغريبة، بعد أن تأكدت من عدم وجود أي علاقة لعبد الحليم بالابنة المراهقة، وأعقبت هذه الدعوى الغريبة مجموعة من الدعاوى القضائية الأخرى.

وفي عام 1957، أي بعد مرور نحو سبعة أعوام كاملة على شهرته، وكان يقود سيارته الكاديلاك بنفسه لأول مرة، وشرد قليلاً لينتبه فجأة على صوت ارتطام شديد، فهبط من السيارة ليجد شخصين منطرحين على الأرض بعد أن صدمهما بسيارته أثناء عبورهما الشارع، فقام بمساعدة المارة ونقلهما بسيارته إلى أقرب مستشفى.

وتولى دفع نفقات علاجهما ولم يتركهما إلا بعد أن تأكد تماماً من زوال الخطر، ثم فوجئ بعد مرور أسابيع قليلة بأنه مطلوب أمام المحكمة، فقد قاما برفع دعوى قضائية ضده، وطالباه بتعويض قدره ألف جنيه، وفي النهاية تم رفضها وإعلان براءة عبدالحليم، بعد أن تأكد للمحكمة سوء نيتهما وتأخرهما في إقامة الدعوى، بعد أن أنفق حليم على علاجهما كاملاً بشهادة الأطباء والممرضات.

وفي العام التالي 1958، فوجئ حليم بصديق الأمس الشاعر سمير محجوب يلجأ إلى القضاء ضده مطالباً بحقه من المكاسب والأرباح التي حققها عبدالحليم عن أغنية (صافيني مرة) وكانت السبب الأول في الشهرة الطاغية لعبد الحليم، ولم يكن محجوب قد تقاضى عنها سوى ثلاثة جنيهات فقط من الإذاعة، بينما حقق عبدالحليم كما قال مئات وآلاف الجنيهات بسببها، ولم يكن قانون حق الأداء العلني الذي يحفظ حق المؤلف والملحن قد صدر بعد.

وفي كل هذه القضايا وغيرها، لم يكن عبدالحليم قد لجأ إلى القضاء مدعياً ضد أي شخص أو جهة، حتى وجد نفسه مضطراً لذلك لأول مرة عام 1959، حينما أقام أول دعوى قضائية في حياته ضد مالك العقار الذى يقيم فيه بسبب تعطل مصعد العمارة.

ورفض المالك إصلاحه فكان حليم مثله مثل بقية السكان يضطر للصعود لشقته مستخدماً السلم، فشعر كما قال في صحيفة دعواه بإرهاق شديد وطالب بتعيين حراسة على مصاعد العمارة للإشراف عليها وإدارتها، وانتهت القضية بالتصالح بين عبدالحليم والمالك.

وفي مطلع الستينات سافر حليم لإحياء عدد من الحفلات الغنائية في الخارج، وعاد من رحلته من دون أن يستبدل عملاته الأجنبية بنقود مصرية، تنفيذاً للقانون الذي صدر في هذا الوقت ويلزم كل مصري يعمل بالخارج باستبدال نقوده التي حصل عليها واكتسبها خلال عمله في الخارج بنقود مصرية عند عودته إلى أرض مصر.

وفي مطار القاهرة، فوجئ بضباط الداخلية يلقون القبض عليه وتحويله للنيابة ليفاجأ هناك بالمجموعة ذاتها التي كانت معه في الرحلة، واكتشفوا أن وزارة المالية قامت بإبلاغ النيابة عنهم، وبعد تداول الدعوى عدة جلسات تم حفظ القضية بعد تصالحهم مع الوزارة.

وفي عام 1973، انطلق بقوة الفنان الشاب آنذاك هاني شاكر، وراح البعض يعقد مقارنة غير منطقية بينه وبين عبدالحليم حافظ، وفي هذا الوقت، فوجئ الجميع بالكاتب الكبير الراحل نبيل عصمت يكتب قائلاً: «إن عبد الحليم سيذهب الساعة الرابعة إلى معهد الموسيقى العربية ليستخرج (الزمارة) التي في رقبة هاني شاكر وتساعده في تقليده».

أغضب هذا الأمر عبدالحليم حافظ، فقام بإرسال إنذار على يد محضر لنبيل عصمت وتدخل الكاتب الكبير مصطفى أمين، بنفسه لاحتواء الأزمة وإنهائها رغم إصرار عصمت على عدم الاعتذار لعبدالحليم، وفوجئ الجميع بمصطفى أمين بنفسه يوضح الموضوع في عموده (فكرة)، واسترضى بهذا عبدالحليم إلا أن العلاقة بين حليم ونبيل عصمت ظلت متوترة حتى ودع العندليب عالمنا.

وفي شهر أكتوبر من عام 1976، وقبل رحيله عن عالمنا بستة أشهر فقط، وقف عبدالحليم حافظ يدافع عن نفسه في أغرب تهمة وجهت إليه بسبب آخر حفل جماهيرى قام بإحيائه وقدم فيه آخر أغنياته «قارئة الفنجان» «فقد التقى في الحفل بمجموعة من زملائه الفنانين على خشبة المسرح وراح يتبادل معهم القبلات.

وكان في مقدمتهم وردة الجزائرية وبليغ حمدي وأحمد فؤاد حسن، فقام أحد المحامين برفع دعوى ضدهم وخص في دعواه عبدالحليم ووردة بسبب هذه القبلات، وتداولت الدعوى عدة جلسات حتى تم شطبها لإقامتها من غير ذي صفة».

وما كاد عبدالحليم ينتهي من هذه الدعوى حتى وجد دعوى أخرى بسبب الأغنية نفسها أقامها أحد الأشخاص ضده هو والشاعر الكبير نزار قباني والموسيقار محمد الموجي اتهمهم فيها بالترويج للخرافة، بسبب ما جاء في هذه الأغنية وطالب بوقف إذاعتها أو تداولها بكافة المحطات والقنوات التلفزيونية والإذاعية، وتم منع الأغنية بالفعل ولكن ليس لهذا السبب، بل بسبب الخلاف السياسي بين الشاعر نزار قباني والرئيس السادات، وظل عبدالحليم محوراً للعديد من الدعاوى القضائية في حياته وبعد وفاته.

سيرة

ولد عبد الحليم علي إسماعيل شبانة الشهير بعبد الحليم حافظ عام 1929 في قرية «الحلوات» بمحافظة الشرقية شمالي العاصمة القاهرة. وتولى شقيقه إسماعيل شبانة تعليمه مبادئ الموسيقى قبل التحاقه بمعهد الموسيقى العربية في العام 1941.

كانت بدايته مع غناء القصائد باللغة العربية مع «لقاء» لصلاح عبد الصبور، ثم واصل عبد الحليم مشواره مع غناء القصائد خلال عقدي الستينات والسبعينيات، وقد تعاون مع معظم الشعراء في كتابة القصائد على رأسهم كامل الشناوي، والذي غنى له عبد الحليم «حبيبها» و«لا تكذبي»، وذلك قبل أن يدخل أثناء فترة السبعينات فى موجة نزار قباني والتي شهدت أهم أعماله في تلك الحقبة «رسالة من تحت الماء» و«قارئة الفنجان». وتوفي عبد الحليم حافظ في شهر مارس من العام .

دبي ـ رشا عبد المنعم