توقفت عربة سوداء فارهة كتلك التي يستخدمها الرئيس الأميركي في أفلام هوليوود، ومن بين حشد من الحراسات الخاصة فتح باب السيارة، وخرج منها شاب طفولي الملامح، ما لبث أن هتف بأسلوب هزلي «الكلام على مين».. هذا المشهد من كليب «الكلام على مين» كان أول معرفتي بالمغني الشعبي سعد الصغير، الذي ما لبث أن قفز سريعاً إلى عالم النجومية، على الرغم من اختلاف كثيرين حول طبيعة الأغنيات التي يقدمها.
وازدادت شهرتها كما ازدادت الانتقادات الموجهة إليها بعد اقتران أدائها بالفنانة الاستعراضية دينا، فظلت الشرائح التي تتعامل مع ألبوماته وأغنياته محددة، وليس من بينها المثقفين أو المهتمين بحركة الإبداع في مصر، الذين اتهموه بتدمير الذوق العام والغناء الشعبي، وهي الاتهامات نفسها التي سبق أن تعرض لها شعبان عبدالرحيم ومن قبله أحمد عدوية. «شبرا الخيمة» مدينة على أطراف القاهرة، فيها ولد سعد الصغير لأسرة بسيطة، نشأ بين أولاد الحي، لعب كرة الشراب، جرى صبياً خلف السيارات، نجح في المدرسة الإعدادية بمجموع متوسط، لم يؤهله إلا لدخول مدرسة ثانوية صناعية.
بعد أن أنهى دراسته، عمل سعد في العديد من المهن، بدأها عاملاً في إحدى سيارات الأجرة الجماعية، ثم سائقاً لتاكسي اشتراه مشاركة مع ابن خالته، وعندما خسر مشروع التاكسي، قرر أن يستغل لياقته البدنية وخبرته القديمة في لعب الكرة مع أطفال منطقته، فانضم إلى أحد الأندية، «كنت أحصل على مكافأة قدرها 50 جنيهاً بعد كل مباراة، لكن المباريات كانت متباعدة، وبالتالي عائدها كان معدوماً. لذلك عملت طبالاً في إحدى الفرق الشعبية التي كانت تحيي الأفراح، كنت صغيراً، وكانت النساء والفتيات عندما يشاهدنني أطبل وسط الفرقة يقلن «شوفوا الواد الصغير ده بيعمل إيه»، من هنا جاء لقب سعد الصغير.
في بادئ الأمر كنت أغضب من هذا اللقب، لكنني اكتشفت أنه سبب شهرتي، أما اسمي الحقيقي فهو سعد محمود حنفي، وكان أكثر أجر حصلت عليه كطبال هو 50 جنيهاً». خلال عمله في فرقة الأفراح، اكتشف سعد أن لديه موهبة الغناء، وحاول مع «أسطى» الفرقة أن يمنحه الفرصة للغناء دون جدوى، وحينما أصر على رغبته أخبره أن أجره سيقل كثيراً كمغنٍ، لأنه سيكون في هذه الحالة ضمن عدد كبير من المطربين، وعلى الرغم من ذلك قبل التحدي، وواجه مصاعب كثيرة، لكن اجتاز اختبار الثقة أمام الجمهور، وكان ذلك أكبر نجاح حلم به في هذه المرحلة.
بعد النجاح الذي حققه الصغير في الأفراح الشعبية، قرر أن يزيد من رقعة شهرته، فأصدر ألبوماً غنائياً لم يكن منه إلا أن يعرفه الناس، يعترف أنه كان في هذه المرحلة يهدف فقط إلى أن يكون معروفاً لدى الناس بأكثر من تقديمه فناً يليق بالمستوى الذي يتمناه لنفسه.
وعلى الرغم من ذلك نجح، وتردد اسم سعد الصغير على كثير من الألسنة، وأكسبه كليب «الكلام على مين» نجاحاً كبيراً، انتقل به من جمهور الأفراح الشعبية إلى جمهور الفضائيات والفنادق وما لبث أن انتقل إلى جمهور السينما بأفلام وصفها البعض بالهابطة، منها فيلم «لخمة راس» مع أحمد رزق وأشرف عبدالباقي، «قصة الحي الشعبي» مع نيكول سابا، «عليّ الطرب بالتلاتة» مع دينا وريكو.
إلا أنها حققت نجاحاً جيداً ضاعف من أسهمه، وحظي ـ على الرغم من سيل الانتقادات الجارف الذي حاصره ـ بشعبية كبيرة ليس فقط بين سائقي عربات الأجرة والميكروباص والحرفيين، إنما أيضاً بين العديد من أبناء المجتمع الراقي وشباب الجامعات.
وعلى الرغم من أن «الصغير» يعرب عن اعتزازه بكل عمل قدمه، إلا أنه في الوقت نفسه يعترف بخطئه بالغناء مع الراقصة دينا: «لم أندم على عمل قمت به أبداً، لكنني ندمت كثيراً على غنائي ورقصي مع دينا، على الرغم من أنها إنسانة طيبة جداً، لكن حظها السيئ يحاصرها بالمشكلات، ومع ذلك أؤكد أن علاقتي بها ممتازة، وألتقي بها كل أحد وخميس في أحد الفنادق الكبرى».
وحول فرقته الغنائية، أوضح أن عددها يتجاوز 150 فرداً، وأنها سبب نجاحه ولا يستطيع الاستغناء عن فرد منهم، لافتاً إلى أنه لا يحتاج إلى هذا الكم الكبير من الأعضاء، لكنه برر هذا العدد الكبير بأنه لا يحب أن يرد أحداً قصد العمل معه.
مؤكداً: «أقبل كل من يريد العمل معي بشرط أن يكون موهوباً، رزقي ورزقهم على الله، جميعهم يفهمونني جيداً، ويعرفون طقوسي في العمل، فمثلاً إذا رأوني صامتاً يدركون أن لدي أمراً يضايقني، لأنني عندما أدخل عليهم لابد من أن أقوم بإضحاكهم لإضفاء جو من البهجة قبل بداية العمل.
وحول علاقته بالمغني الشعبي شعبان عبدالرحيم، نفى سعد أن يكون بينهما أي تشابه، موضحاً: «شعبان صاحب «أفيه» واحد، أما أنا فمتنوع ما بين الشعبي والحزين وغيره، وفي الوقت نفسه لم أقل في يوم من الأيام أن أحداً لا ينافسني مهما كان حجمه.
ومن قالوا إنني سحبت البساط من بين قدمي شعبان عبدالرحيم خاطئون، لأن لكل منا أسلوبه وطريقته في الغناء، كما أنني أعتبر شعبان بمثابة والدي، أيضاً ما تردد عن رفض الفنان أحمد عدوية، تقديم دويتو معي غير صحيح بالمرة، فهو لم يرفض لأنه لا يريد الغناء معي، إنما رفض لأننا لم نتفق على الأجر الذي سيتقاضاه، حيث إنني منتج هذا الدويتو».
ونفى الصغير أيضاً ما تردد عن منعه من التلفزيون، مؤكداً أنه معتمد في الإذاعة منذ العام 2001 من خلال لجنة في التلفزيون بحضور الموسيقار حلمي بكر، وحسن أبو السعود رحمه الله، وأوضح أنه لا يعترف بعيد الحب، ويكره التدخين، ولا يشرب أية منبهات نهائياً، قائلاً «حتى الشاي، وربنا يشهد على ذلك، وكل ما يشاع عني كذب، وهذه الشائعات أكثر ما يضايقني».
وبينما حقق كثيراً من أحلامه، كشف «الصغير» أن حلمه بالتمثيل أمام نجم الكوميديا محمد سعد لم يتحقق. ويقول: «أتمنى أن أمثل أمام الفنان محمد سعد، لكنه رفض خوفاً علي من الفشل أمام جماهيريته، مع ذلك أقوم حالياً ببطولة فيلم «أنص وبيسه» الذي يدور حول شخصين ساذجين يتمنيان أن يفعلا شيئاً في حياتهما، فقررا أن يحلا مكان أكبر شخصيتين سياسيتين في البلد».
إلى ذلك، رفض أن يتجه أطفاله محمود وأحمد ومنة إلى الفن، مؤكداً أنه سيترك لهم تقرير مصيرهم عندما يكبرون، لكنه لا يتمني لهم أن يعانوا مثل معاناته، لذلك يقول: «عزائي الوحيد أنني حينما أقرر الاعتزال سيكون لدي ما يكفي أولادي».
في هذا الصدد، رفض الصغير تماماً الحديث عن المسجد الذي أسسه في المنطقة التي ولد فيها، ورفض التعليق على الفتاوى التي قالت بحرمة الصلاة فيه، مؤكداً أن هذا الأمر بينه وبين ربه ولا يحب التطرق إليه. وحول تكرار أدائه العمرة أوضح «نعم أديت العمرة مع والدتي 4 مرات، أما زوجتي فتذهب كثيراً، لكنني لم أحج الفريضة حتى الآن، لأنني أخذت عهداً بيني وبين نفسي عندما أحج، سأعتزل الفن إلى الأبد».
جديد
يستعد سعد الصغير خلال أيام لطرح ألبومه الجديد «كله من خيرك» الذي يشهد عودة التعاون بينه وطارق عبدالله صاحب شركة «هاي كواليتي» بعد تسوية الخلافات بينهما. ويتضمن الألبوم 9 أغنيات تحمل معنى جديداً للأغنية الشعبية، حيث يقدم فيه نوعية من الأغنيات يصالح بها جمهوره بعد أغنية «بحبك يا حمار».
القاهرة ـ خدمة (دار الإعلام العربية)



