فاجأنا محمد الجناحي بأنه كان أول المهنئين على نشر «البيان» في شهر رمضان الماضي سلسلة من الأعمال الدرامية أيقظناها من سبات الذاكرة، وأعدنا الحديث عنها وعن أبطالها، فضلاً عن ردة الفعل المتأخرة للجمهور حيالها.
كانت كلمات هذا الفنان الذي رحل عنا قبل أيام مقتضبة وبسيطة: » من زمان ما تكلم حد عن «شحفان» انتم رجعتوني ثلاثين سنة للوراء».. جاءني صوته حميماً وواثقاً، تماماً مثل ثقة ذلك الشاب حينما دخل نادي أبوظبي الأهلي في نهاية عام 1967 ليكون أحد العناصر الفاعلة في هذا الملتقى الفني الاجتماعي الرائد. وليصبح فيما بعد أحد أهم الفنانين الإماراتيين في معركة طويلة مع إثبات أحقية فن التمثيل والدراما في مواجهات مشكلات الحياة والمجتمعات التي ما كانت تعترف بأن يكون أحد أبنائها ممثلاً أو عاملاً في الفن. الجناحي رحمه الله كان واثقاً من نفسه، مدركاً لكل خطوة سيخطوها، منوهاً بدور الفن وبدعم المغفور له الشيخ زايد رحمه الله للفنانين الإماراتيين، ولولا ذلك الدعم الحقيقي لما كان هناك فن إماراتي أصلاً.
أذكر جيدا كلماته في حديثي المطول معه قبل أسابيع قليلة من رحيله. كان ثمة موعد لحوار مطول، كنا نتحين فرصة لإتمام ما بدأناه على الهاتف، ولكن القدر عاجله، مع العلم أنه من أكثر الفنانين الإماراتيين هروباً من الإعلام والصحافة، وأتذكر جيداً أن أول حوار أجريته معه قبل أربع سنوات، بذلت جهداً كبيراً حتى التقيته في بيته الجميل في أبوظبي. حديثنا الأخير كان شاملاً حول أمور الدنيا وغياب الأجيال عن الدراما الإماراتية.. وسألته ان كان يسمح لبناته بالعمل في الفن، وقد كنت أتوقع تحفظا على الإجابة، إلا لأنه بادرني بالقول:» يا ريت.. والله أتمنى من كل قلبي أن تكون إحدى بناتي أو كلهن محترفات في فن التمثيل.
ويجسدن أصعب الأدوار على الخشبة وأمام الكاميرا، ودائماً كنت أحلم بأن ينتهي العرض المسرحي، فأقف لأكون أول المهنئين لابنتي على أداء دورها، وأن أركض لأقف إلى جانبها على الخشبة، كي أقول إنني والدها ولكن هذا لم يحدث ووحده نواف مضى في هذا الطريق الصعب».
ولكن هل كان المجتمع سيرحمه لو فعل هذا، والى أي حد يستطيع الفنان مواجهة المجتمعات التي يعيشها وتحديدا في منطقتنا؟.. فرد قائلاً: » نحن من أسس لهذا المجتمع، ونحن من يجب أن نغيره، تكسير العائدات القديمة بحاجة إلى مبادرات.
وإذا قلت أنا لا، وغيري قال لا.. لن يكون هناك مبادرة، ودائماً ذريعة عدم المبادرة أن فلاناً قد رفض، أنا ليست لدي مشكلة نهائياً قولاً وفعلاً، لأنني أرى نفسي متحرراً من هذه القضايا والعادات السيئة.. ليس هناك ما يعيب في الفن، وإلا لو كان ذلك لكان عيباً علينا أن نعمل فيه».
تعود بي الذاكرة إلى الراحل الكبير، حينما شن هجوماً على المحطات المحلية التي لا تعترف بالفنان الإماراتي، وتأتي بالفنان العربي كي تعطيه مبالغ طائلة، في الوقت الذي يعتبر فيه الممثل المحلي أجدى بأن يدفع له ويروج لموهبته، ولكنه عاد ليغير رأيه في مناسبة أخرى قريبة.
وبعدما اشتغلت عجلة الإنتاج الإماراتي، قال حينها: » الحمد لله أمورنا يبدو انها تتحسن، فقد استمعوا لنا أخيراً، وصاروا يحسبون حساباً لمواهبنا وتاريخنا، عندما يكرم المرء في بلده أفضل بألف مرة مما يأتيه في الخارج، لقد سافرت كثيراً.
وكنت من أوائل المشاركين في الأعمال الخليجية، ولكنني أشعر أن العمل داخل بلدي أهم بكثير لي ولتاريخي، وأعتقد أن الأمور إن مشت بهذا الطريق الصحيح، فإنها بإذن الله ستعني أن الفنان الإماراتي سيكون له شأن عربي في المستقبل القريب، وهو يستحق هذه المكانة».
الجناحي خاف مما أسماها تجربة المنتج المنفذ التي تسند إلى بعض الفنانين الإماراتيين والخليجيين عموماً، لأن فيها بعداً ايجابياً وآخر سلبياً، وهذا السيف بحديه قد يستعمل حده السلبي فقط، وعلق على هذا الأمر قائلاً:» المحطات هي السبب في خلق هذه الأزمة، وحصول الفنان على أجره أمر مهم بالنسبة له.
وللأسف ما يقوم به بعض المنتجين المنفذين له علاقة بالاحتيال، ذلك أن المنتج المنفذ الذي تتعهده المحطة يأتي بمجموعة من الأسماء الكبيرة، ويضعها على القائمة قبل أن يقدم مشروع ميزانية العمل، وبناء عل هذه الميزانية يحصل على أعلى المبالغ، ثم يبدأ بتقليل أجور الناس العاملين معه.
والأدهى من هذا أن الممثل يوقع على عشر ساعات ظهور في العمل، ويتقاضى عليهم الأجر المحدد، ولكن بعد هذا يفاجأ بأن الحلقات المعروضة تقارب الثلاثين.. وهذه القرصنة تتعرض لها الدراما الخليجية، ونتعرض لها نحن من دون أن نستطيع فعل شيء».
كان الجناحي نزقاً في ردود أفعاله، خاصة تلك التي يرى فيها ضيماً أو ظلماً يلحق به أو بأحد الفنانين الإماراتيين، حتى لو طال بكلامه المسؤولين والقائمين على الحركة الفنية والمسرحية في الإمارات. يغيب الجناحي، يمضي إلى السماء بجناحين من إبداع، سيقولون كان كبيراً وعظيماً ومعلماً وأباً باراً ببلده، سيبتسم قليلاً وسيقول لهم اهتموا بما هو أهم من الكلام، لن يستوقفه احد في رحلته الجديدة، تلك فقد مضى منهياً دوره في الحياة بعد رحلة عامرة بالنجاحات والانكسارات والتعب والحب.
وصية
«ابني نواف يحب الوسط الفني، ويعشق العوالم التي تخلقها السينما، وقد أنهى سنوات دراسة سينمائية أكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية، عبر بعثة لإتمام الدراسات السينمائية، وعاد بعد ذلك للعمل في هذا الوسط، وهو الوحيد بين أبنائي الذين أحبوا العمل في الفن، وهذا راق لي بصراحة.
ولكنني أفكر بماذا يمكن أن أنصحه، يجب أن يعمل، أو نرانا نعمل على الأقل حتى أنصحه هل أقول له مثلاً: التزم الصدق والمثابرة والدقة في المواعيد، كن لطيفاً ومحباً.. هذه أخلاقيات وقواعد عمل..أين هو العمل حتى تكون له أخلاقيات ونظم تحدده..من الطبيعي أن يقول لي أعطني عملاً كي أنفذ نصائحك وهذا حقه، وربما بسبب ما شاهده وتابعه اتجه لإخراج أفلام قصيرة، تحقق له بعضا من طموحاته، وترضي عوالمه السينمائية الخاصة».
«نصيحة عمرها ثلاث سنوات وردت ضمن حوار شامل أجريناه مع الراحل عام 2005».
الجنسية: إماراتي
المهنة: ممثل ومخرج وكاتب
البدايات: عام 1967
العمل بالإذاعة: عام 1968
التقاعد: عام 1997
المسرحيات: 38
آخر مسرحياته: «مهاجر بريسبان»
مسلسلات: 52 عملاً
دبي ـ جمال آدم


