لم يكد مهرجان الأردن الذي أقيم على أنقاض مهرجان جرش العريق يعلن عن فعالياته، حتى تعالت أصوات مطالبة بمقاطعته، ودعوة الفنانين العرب إلى الاعتذار عن المشاركة فيه، تحت شعار مقاومة التطبيع، التهمة التي كانت جاهزة للانقضاض من قبل على جرش، على الرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلتها إداراته المتعاقبة للحفاظ على هوية المهرجان العربيّة بعيداً عن التطبيع الذي كان يحاصر المهرجان رغماً عنه، في محاولات بدت مدسوسة لتشويه صورته، وإبعاد جمهوره عنه وجلّه من عرب 48.

غير أن الحملة هذا العام لم تأت من فراغ، بعد الكشف عن شركة إسرائيلية أخذت على عاتقها مهمّة تنظيم المهرجان، وهي شركة يديرها يهودي قام بتنظيم احتفالية إسرائيل بعيدها الستين.فالفعاليات التي طغى عليها الجانب التجاري بعيداً عن الطابع الثقافي النخبوي الذي ميّز مهرجان جرش حتى في أصعب سنواته، لم تكن النقطة التي انطلق منها المشككون بنجاح المهرجان، خصوصاً أن حدثاً أهم حجب الضوء عن هزالة تلك الفعاليات التي اتكأت على نجومية الفنانين، مع تغييب شامل للأنشطة الثقافية والفنون النخبوية التي شكلت أحد أهم الأسس التي قام عليها مهرجان جرش، إذ انطلقت حملات تدعو الأردنيين إلى مقاطعة المهرجان الذي أريد له أن يكون مهرجاناً وطنياً بقرار من مجلس الوزراء الأردني، بعد الفضيحة التي تهدد المهرجان في دورته الأولى، خصوصاً بعد ما أشيع في بعض الصحف الأردنية عن قلق الأوساط الرسمية في الأردن من فشل محتمل للمهرجان.

شركة إسرائيلية للتعاقد مع الفنانين فقد أكّدت التقارير الصحافية التي نشرت في أكثر من صحيفة أردنية، أن التعاقد مع الفنانين العرب والأجانب تمّ من خلال شركة «ببليسيز» للعلاقات العامة والإعلان، التي يرأسها موريس ليفي، والتي قامت بتنظيم احتفالات إسرائيل بعيدها الستين، كما جرى الحديث عن أرقام خيالية تقاضاها الفنانون أنفسهم الذين كانوا يحصلون لقاء غنائهم في جرش على مبالغ أقل بكثير من تسعيرتهم المعتمدة، مقابل الدعم المعنوي الذي يحققه لهم وقوفهم على خشبة المسرح العريق.

وتأكيداً لما يشاع، أوضحت بعض المصادر الإعلامية، أن الشركة ستباشر بالإعداد لإقامة احتفالات كبرى في المملكة العام المقبل بموازنة تقديرية خارج النفقات الرسمية للخزينة بقيمة 30 مليون دولار.

«لجنة مقاومة التطبيع» تدعو إلى إفشال المهرجان

وفي سياق المواقف الرافضة، واحتجاجاً على تكليف شركة يديرها يهودي كان قد رأس الهيئة المشرفة على احتفالات مرور 60 عاماً على اغتصاب فلسطين، انطلقت حملات معادية للمهرجان. وفي مقدمتها لجنة مقاومة التطبيع في الأردن التي طالبت بإلغائه.

كما باشرت بتوجيه رسائل للفنانين المشاركين تدعوهم فيها إلى مقاطعة المهرجان، وصل بعضها إلى حد الإدانة الشديدة لتصرف المسؤولين الأردنيين، مستنكرة تجاهلهم لمواقف الشركة، وإفساحهم المجال لها لتشارك في تشكيل ثقافة ووعي الأردنيين في بلدهم، حسب بيان صادر عن لجنة مقاومة التطبيع.

كما استنكرت اللجنة وجود بعض الفنانين «الذين سبق أن شاركوا في نشاطات تطبيعية وقاموا بالغناء في مهرجانات إلى جانب صهاينة، ومنهم الجزائري الشاب خالد الذي غنى إلى جانب مغنين صهاينة في روما أثناء مجازر جنين عام 2002، إضافة إلى وجود فنان آخر يدعى (ميكا) بريطاني الجنسية، وصفه البيان بأنه من داعمي دعاة المثّلية الجنسية».

من جهتها، دعت نقابة المحامين الأردنيين إلى مقاطعة كل النشاطات التي قد تشكّل مدخلاً إلى التطبيع، كما دعت إلى مقاطعة «أية اتصالات مع الجهات الصهيونية وأعوانها بأي شكل وفضح الممارسات التي تمارسها المؤسسات الصهيونية، وأذنابها في هذا السبيل وكشف وتعرية هذه الجهات وهذه النشاطات ليكون أبناء الوطن على بينة من أمرهم» بحسب بيان شديد اللهجة حمل على مهرجان الأردن والهيئة المنظمة له.

هل تقاطع شركة روتانا المهرجان؟

وفي اتصال معه، أكد كريم أبي ياغي المدير التنفيذي في شركة روتانا، أنّ الشركة ستدرس حيثيات القضية، خصوصاً أن بعض فنانيها سيشاركون في مهرجان الأردن، مؤكداً على رفض الفنانين أنفسهم المشاركة في أي نشاط إسرائيلي، وبعيداً عن استباق الأمور، أكد أبي ياغي أن الموضوع سيطرح بشكل جدي، وفور اتخاذ القرارات المناسبة سيصار إلى إصدار بيان يوزّع على الصحف.

وكانت الصحف اللبنانية قد باشرت بشن حملة منظّمة ضد مهرجان الأردن، بعد أن شنّت حملة مماثلة ضد إلغاء مهرجان جرش، الذي وقف على خشبته أهم الفنانين اللبنانيين، وطالبت بعض الصحف الفنانين بعدم الانجرار إلى الفخ الإسرائيلي، وحمّلتهم مسبقاً نتيجة الغناء في مهرجان واصفة خطواتهم بمقدمة إلى التطبيع.

ومن المتوقع أن يشارك في المهرجان عدد من الفنانين اللبنانيين من بينهم اليسا، فضل شاكر، يارا وعاصي الحلاني.

سماوي: لا علاقة لي بمهرجان الأردن

من جهته، أكد أمين عام وزارة الثقافة، مدير مهرجان جرش السابق الشاعر جريس سماوي، أنه عضو في اللجنة العليا لمهرجان الأردن 2009 وليس 2008، رافضاً التعليق عمّا يشاع عن الشركة الإسرائيلية، خصوصاً أن تنظيم مهرجان هذا الصيف يقع على عاتق هيئة تنشيط السياحة، ويأتي كمرحلة انتقالية بين مهرجان جرش والمهرجان الجديد.

وسبق أن أدار سماوي المهرجان بنجاح في أحلك سنواته، حين بدأت الديون تتآكله والظروف الإقليمية تؤثر على المزاج العام، من اندلاع الانتفاضة إلى حرب العراق فالعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، التي دفعت سماوي إلى اتخاذ قرار تاريخي بإلغاء المهرجان صيف 2006 تضامناً مع الشعبين اللبناني والفلسطيني، قبل أن يقدم استقالته لينتقل إلى وزارة الثقافة، غير أن فشل الدورة الماضية دفعت باللجنة العليا للمهرجان إلى الطلب رسمياً منه العودة إلى المهرجان كمدير عام، قبل أن يتخذ مجلس الوزراء قراره بإلغاء المهرجان.

هل انتصر مهرجان جرش؟

يبدو أن القرار الاعتباطي الذي اتخذ قبل أكثر من شهر بإلغاء مهرجان جرش بغية تطويره وتحويله إلى مهرجان وطني، لم يعر اهتماماً لذلك السيف الذي بقي مسلّطاً على رقاب الإدارات المتعاقبة للمهرجان، والذي كان عليها أن تقدّم صك براءة من تهمة التطبيع مع كل اختراق كانت تتبرّأ منه، خصوصاً بعد الاختراق الذي أضعف المهرجان في دورته الأخيرة.

والمتمثل بالإعلان عن فعالياته من قبل شركة هواتف إسرائيلية، تمّ تكليفها من قبل شركة عربية تعاقد معها المهرجان للترويج لفعالياته في الداخل الفلسطيني، فهل وقع المهرجان الجديد في فخ مماثل، أم أنّ ثمّة اتجاها جديدا في تحديد هويّة المهرجانات كان السبب في إلغاء مهرجان جرش؟ ولماذا لم يصدر عن اللجنة العليا للمهرجان نفي رسمي لتهمة التطبيع، مع تصاعد الحملات ضد المهرجان الجديد؟

إضاءة

موريس ليفي، يرأس مجموعة (Publicis Group)، التي تعتبر أقوى شركة إعلانية في الشرق الأوسط ورابع أكبر مجموعة إعلامية في العالم. وليفي هو عضو المجلس المؤسس للمنتدى الاقتصادي العالمي.

وقد أطلق مبادرة شخصية في منتدى البحر الميت عام 2005 تتضمن حملة إعلانية للمصالحة العامة لتشجيع السلام والتفاهم في الشرق الأوسط. ويعتبر موريس ليفي حسب مواقع البحث الالكترونية من أكثر الأصدقاء المقربين لإسرائيل خاصة للأحزاب اليمينية الاستيطانية والمتطرفة.

بيروت ـ إيمان إبراهيم