ينخرط الكاتب السوري هاني السعدي منذ حوالي الثلاثين عاماً في مسيرة غنية من التأليف الدرامي، لكنه يعتبر أن مسلسل «صراع على الرمال» المأخوذ من خيال وأشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ينتمي إلى نوع خاص ومعقد من الأعمال الدرامية التي تمتلك نسيجاً قصصياً وحكائياً، وتمكن القارئ والكاتب من التحليق بالخيال باتجاه الآفاق التي ترسمها الحكاية الأم، كما تجعل المشاهد يقف أمام شخصيات ممزوجة بدم الحياة وروح المخيلة.
ويؤكد أن العمل تحققت له شروط العمل الفني الرفيع من خلال الإنتاج والإخراج وطاقم الممثلين والفنيين الذين شاركوا فيه، ومتنبئاً في الوقت ذاته، بمشاهدة متميزة له خلال عرضه على شاشة تلفزيون دبي خلال شهر رمضان المقبل. جاء الكاتب هاني السعدي إلى الفن عبر بوابة التمثيل، واستطاع أن يبرز ككاتب درامي عبر أعمال الفانتازيا التاريخية التي ازدهرت فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وقد كان «غضب الصحراء» لهيثم حقي و«البركان» لمحمد عزيزية أحد أهم الأعمال التي أطلقت هذا النوع من الدراما، ثم تلتهما سلسلة «الجوارح» الثلاثية التي قدمها نجدت أنزور خلال سنوات عدة متباعدة.ولكن هذا لا ينفي أن السعدي استطاع أن يدخل في غمار العمل الاجتماعي، وأن يحقق مكاسب مهمة في أعمال مثل «دائرة النار» و«عصر الجنون» و«قتل الربيع»... الخ .
التقيناه خلال زيارته الأخيرة أثناء احتفالية تلفزيون دبي للأعمال المشاركة في شهر رمضان الكريم، ودار معه الحوار التالي:قلما تقول رأيك في عمل من تأليفك، قبل أن يرى النور، ولكن ماذا تتوقع ككاتب لمسلسل «صراع على الرمال» خلال عرضه خلال شهر رمضان المقبل؟هذا العمل سيكون نقطة مضيئة في عالم المسلسلات البدوية فمعظم المسلسلات التي طرحت حتى الآن متشابهة وذات هوية واحدة وذات رؤية يتيمة، آخذين بعين الاعتبار أن عملنا هذا بدوي موثق تاريخياً، والأحداث التي تناولها ربما غير موثقة تاريخياً، ولكن من المؤكد أن قصة مشابهة وارد جداً حدوثها لما فيها من صراعات ومسائل تتعلق بالحب والحرب.
دائما يحمل العمل التاريخي إسقاطات معاصرة على الواقع العربي، إلى أي حد ترى أن هذا العمل قادر على ذلك؟
العمل يبرز إلى درجة كبيرة الأثر السلبي الذي يحدث من جراء عداء الجيران والأشقاء مع بعضهم البعض، وكيف يمكن للحب والوئام أن يسودا مكان العداء والدم والقتل والدمار. وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حريصاً على أن تكون عاطفة الحب مترافقة مع الحرب، ضمن سؤال كبير وهو ألا يحدث هذا معنا نحن العرب؟
حينما يتحول عمل من اللغة العربية إلى العامية، ما الذي يحصل له؟
كنت مدركاً أن العمل سيجري تحويله من اللغة العربية إلى البدوية الأصلية، وكان الشاعر والممثل هشام كفارنة على قدر المسؤولية لينهض بهذه المهمة، بحكم أن لا خبرة لدي في هذا السياق، لم أكن خائفا على النص الذي كتبته، فسبق وان قمت بهذه المهمة في مسلسل «آخر الفرسان»، وعلى العموم عملية التحويل تلك من اللغة إلى اللهجة، لا أظن أنها تؤثر على سياق الأحداث أو تفاصيل الحبكة الدرامية.
هل صحيح أنك طلقت الفانتازيا كشكل درامي عرفت به ؟
لا لم يحدث هذا تماماً، وإن كنت قرأت حوارات عن لساني، بأن هذا قد حصل، ولكني توقفت عن كتابة هذا النوع، لأنني أحسست أني استنفدت القصص التي كتبتها فغيرت طريقي باتجاه العمل الاجتماعي، ولكن قبل فترة كتبت مسلسل «فرسان الظلام «على شاكلة مسلسلي السابق «الموت القادم إلى الشرق»، من دون أن أقرر من الذي سيخرجه، ربما كان المخرج نجدت أنزور.
بعد كل المشكلات التي أثرتموها والتصريحات النارية بين بعضكما البعض وتعود إلى نجدت أنزور؟
أنا قلت ربما، وفي النهاية الموضوع لم يحسم مع أني مقتنع أن نجدت أنزور صاحب عين مهمة ولديه إيقاع درامي مشدود، وبالمعنى المباشر لا مشكلة لدي معه، كانت الخلافات تنشأ لأنه يقوم بعملية الحذف والاختصارات غير المنطقية، التي كان يقوم بها في النصوص التي كتبتها من دون العودة إلي.
أخيراً.. أنت ككاتب إلى أي حد ترى في مسلسل «صراع على الرمال» تجربة جديدة وسعت من هامش الإنتاج والمستوى الفني في الدراما العربية والسورية إزاء الشح الإنتاجي الذي تعتمده معظم شركات الإنتاج؟
ليست كل الشركات سواسية في عملية الإنتاج، ومعظم الشركات تقوم بتفصيل الأعمال على مقاسها، وتتعامل مع الفنانين وفق هذا الأمر، وبطبيعة الحال لا يمكن القول إن تلك الشركات الصغيرة أو حتى الشركات العربية الكبرى قادرة على تقديم عمل ضخم بحجم «صراع على الرمال» لن أقول عن هذا العمل إنه عالمي، حتى لا يساء فهمي بأنني أبالغ في الترويج لعملي.
ولكن هناك جهد منقطع النظير من قبل الممثلين والمخرج والجهة الإنتاجية، وسبق وقلت ان النص لا يحمي العمل ولا المخرج، بل الإنتاج هو من يفعل هذا ولا أقل من كلمة شكر للإنتاج الشجاع والنبيل والكريم الذي قدم عملاً يعتبر فتحاً جديداً بمقياس الدراما.
حنين إلى الأعمال الأولى
الأجواء التي شاهدنا مقتطفات منها، وعلمنا عن بعض تفاصيلها في مسلسل «صراع على الرمال» أعادتنا للمسلسلات الأولى التي كتبها السعدي واشتهر بها والتي سميت افتراضيا بالفانتازيا التاريخية.. إلى أي حد يقترب «صراع على الرمال» من روح تلك الأعمال؟
يضحك السعدي، ويعلق على هذا السؤال قائلاً: «إن هذا العمل ينتمي كشكل وأسلوب درامي للأعمال الأقدم التي قدمتها والتي لها طابع بدوي مثل «غضب الصحراء» و«البركان» تلك الأعمال التي أشعر بالحنين إليها بشكل دائم، ولكنه يختلف عن الأحدث منها مثل الأعمال اللاحقة مثل «الجوارح» و«البواسل» و«الكواسر « والتي غرب نجدت أنزور بها فسميت فانتازيا، ولكن ظلت الحكايات فيها عربية الطابع والمضمون.
«صراع على الرمال» مختلف تماماً كحكاية، صحيح أنني كتبته بالفصحى ولكني أدركت أنه سيتحول إلى عمل بدوي فحاولت أن أدخل ككاتب في عمق الصحراء العربية حتى يكون هناك تكامل في المشهدية الفنية والحوارية للعمل، وهذا العمل استفزتني الحكاية فيه، والتي تتيح آفاقها لي ككاتب أن أفرد جناحي و أتفرد فيها وأدخل بممرات لا تنتهي، حقا الحكاية كانت تثير الخيال، وكان يجب أن تكون الحلقات الثلاثين على مستوى القصة الأم وهذا ما سعيت من أجله حينما باشرت بكتابة النص.
هكذا بدأ «الصراع»
يعود هاني السعدي بالذاكرة قليلاً ويقول:«كنت في حضرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بحضور المرافق الإعلامي لسموه الأستاذ أحمد الشيخ وطلب مني قراءة القصة التي كتبها، أخذت وقتا وأنا أتابع تفاصيل تلك الصفحات، لا أخفي أنني استمتعت بها وأحسست أن هناك بعداً درامياً موجوداً في تلك الصفحات.
وهذه حقيقة لا إدعاء فيها أو مجاملة، وأطلقت تعبيرا عفويا ساعتها شبهت فيه القصة بالأخطبوط، وسألني سموه إن كانت تصلح لأن تكون مسلسلاً تلفزيونياً فقلت عن قناعة بأنها مشروع تلفزيوني كبير، و بطبيعة الحال نحن نعمل في التأليف بماكينة الخيال، ووجدت أن الشخصيات والأحداث تتوالد تباعاً، ووقتها أحسست أنني أمام كتلة درامية ستكبر رويداً رويداً، والحمد لله هذا ما حصل.
وهذا طبعا تجسد على ارض الواقع من خلال خبرة الفنان المجتهد حاتم علي الذي يمتلك خيالاً درامياً خصباً قادراً على فهم ما بين سطور الحكاية الدرامية».
تجربة
يقول هاني السعدي:«لا أستطيع القول إنني أصبحت نجماً أو أنا كذلك في عالم الدراما التلفزيونية وصياغة النصوص الدرامية، على الرغم من أنني ادخل عامي الثلاثين منذ أن قدمت أول عمل درامي مكتوب. ربما الناس هي من يقرر، ولكن أعتقد أنني أخذت حقي إعلامياً، والناس على العموم تعرف من أنا، وماذا أكتب، وعندما يمر شهر رمضان، ولا يكون هناك عمل لي يتساءل الكثيرون أين هاني السعدي وهذا يطمئنني».
وحول علاقته بابنته ربا يقول السعدي: «أرى مستقبلا جميلا لابنتي ربا التي اختارها الفنان حاتم علي لتكون ممثلة في مسلسل «صراع على الرمال»، والحمد لله شاركت فيه وحققت انطباعاً حسناً، وهذا لمسته على أرض الواقع حينما زرت موقع التصوير مرات عدة.
وأرى في ربا امتداداً جميلاً لي ككاتب وكعامل في هذه المهنة الشاقة، بعد أن اعتزلت أختها الأكبر منها روعة العمل في التلفزيون مبكراً لأسباب كثيرة .. لن أنصح ربا بأن تمضي في هذا العالم، أو تتوقف فهذا القرار يعود لها وحدها فقط، وهي قادرة على اتخاذه».


