فوز فيلم إماراتي بجائزة في مهرجان دولي، كمن يلقي بحجر في مياه راكدة، يحتاج إلى أخرى صغيرة وكبيرة ـ أقصد أفلاما قصيرة وطويلة ـ كي تتحرك من سكونها، وتقذف بأمواج مياهها إلى شواطئ صحراوية، متلهفة من حين لآخر لجرعة ماء، تطفأ ظمأها به، في انتظار غد يروي عطشها الساكن حلقها منذ سنوات.
وفيلم «بنت مريم» الحائز على الجائزة الفضية في مهرجان روتردام السينمائي فئة الأفلام القصيرة في دورته الأخيرة والتي انتهت منذ أيام، عكس صورة ما آل إليه حال السينما الإماراتية، وجسد النتيجة الرائعة لعناصر كثيرة تضافرت بصدق، وحفرت قنوات تحتية وفوقية، لتفلتر الماء المالح، وتقدم أعذبه في صورة مبدعة خليجية، لتكشف النقاب عن سينما مجهولة ورائعة تدهش العالم في أعوام مقبلة.لخص سعيد سالمين مخرج «بنت مريم» فرحته بالفيلم، في انفعاله الحميم، وهو يبدي رغبته في صنع أفلام كثيرة تدفعه لتمثيل الإمارات في محافل محلية وعربية وعالمية، من أجل أن يرفع اسم بلده عاليا، وهو يصعد درجات سلم الفن السابع كل مرة ليتسلم جائزة، أو تقديرا يعبر من خلالهما عن تجارب جديدة له ولغيره، قد تفرز يوما ما فيلما انتظرناه منذ زمن.هو حكاية عشق لا تنقطع مع الكاميرا، حكاية ملمحها الأساسي البحث عن مغامرات مقبلة وأعمال تحمل الحنين والشجن للماضي، فمفردات صناعة السينما لديه على صعيدي الإخراج والكتابة أصبحت ناضجة، وتميزه التقني في التصوير والإضاءة والصوت وانتقاء المناظر تعزز لغة السرد والعرض لديه، هو نموذج ناصع للمبدع الذي يعرف ماذا يريد وما الذي يصبو إليه.
حصل أيضا منذ عامين على جائزة مجلة دجيتل استوديو العالمية كأفضل مخرج عربي شاب، والتي تُمنح للشاب العربي المتميز في إنتاجه السينمائي خلال عام، وكان هذا الفوز دافعا لاستمراره في الطريق الصحيح وتنامي رؤيته ومداركه الإخراجية، وأشعلت مثل هذه الجوائز روح المنافسة بين المجموعات السينمائية العديدة في الدولة مثل «فراديس، صقر الصحراء، الرؤية» وغيرها، واذكت روح التنافس بين الشباب السينمائيين.
قدم على مدار سنوات عديدة أعمالا مثل بقايا تراب 2004، مسافر 2005، جدران 2005، هبوب 2005، عرج الطين 2006، الغبنة 2007، وكلها أفلام تنبأت بموهبة تحتاج إلى الرعاية والدعم المتواصل، فاكتشاف المبدعين ليس باليسير، واستمرار إبداعهم تحدٍ شائك.
حين سألتُ سعيد سالمين السؤال الذي يتردد دائما ويسأله الصحافيون بمناسبة وغير مناسبة عن مشاكل ومعوقات الدعم المالي والإنتاجي، تأفف وأبدى امتعاضا ولم يرَ جدوى من الإجابة، وعبر في كلمات متحسرا: لقد تعبت وتعب الشباب من التكلم حول قضية الدعم للمواهب، وبعض الأعمال المطروحة كأفلام سينمائية لا تمثل الإمارات ولا تمت لواقعنا بصلة، لقد انطلق «بس يا بحر» من المحلية إلى العالم العربي، وجميع مبدعي العالم انطلقوا من المحلية.
ولقد حازت أفلام مثل «طوي عشبة» لوليد الشحي و«جوهرة» لهاني الشيباني إعجاب العالم العربي، وعرف المشاهدين هناك عن مخرجيها أكثر مما يعرفهم أبناء الإمارات، صحيح أن مجهودات مسعود أمر الله واضحة وملموسة منذ الدورة الأولى لمسابقة أفلام من الإمارات، مرورا بمهرجان دبي السينمائي.
ومهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي، ثم أخيرا مهرجان الخليج السينمائي، لكنها تحتاج إلي واقع وعناصر تترجم صناعة السينما في بلدنا، وإن لم نجد أذناً صاغية وعقولا تستوعب وتخطط لإيجاد رأس المال فإن إنتاج الأفلام سيظل يدور في حلقة مفرغة.
سنوات قليلة مرت قبل أن تصبح مهرجانات السينما تظاهرة لافتة في منطقة الخليج العربي عموما، وفي الإمارات خصوصا، لكنها وحدها ليست كفيلة بصنع سينما، وما يحدث الآن هو اجتهاد فردي دون تدخل فعلي من جهة تجمع كل ذلك تحت جناحها، من أجل إحداث حالة وهجان وترتيب لأوراق مبعثرة هنا وهناك، والأمل متعلق بهيئة دبي للثقافة والفنون، ومدينة دبي للاستديوهات.
الحقيقة ما هو لافت للنظر في مشوار سعيد سالمين هو عدد الجوائز الست، التي حصل عليها في سنوات جعلته من أسماء المخرجين الذين قدموا أفلاما متميزة وتجربته بحد ذاتها لافتة للاهتمام، بمعنى أنه ومنذ أربع سنوات وهو يشارك بخطواته المؤثرة في المشهد السينمائي السماعي البصري في الإمارات، والتي تظهر آمالا واعدة جدا لمستقبل يترقبه الكثيرون.
سعيد سالمين وأمثاله يؤكدون أننا لا نفتقد العنصر البشري، والمواهب الإماراتية الشابة مؤهلة لتحقيق أفلام على مستوى عال، ولكن يجب أن نتجاوز مرحلة الفيلم القصير ونتجه لإنتاج أفلام روائية طويلة، طال انتظارها والزمان والمكان الحالي يلعبان دورا مهما في طرحها على الساحة.
هل حالة النجاح الحالية يمكن لها أن تدفع باتجاه صناعة سينمائية في الإمارات، خاصة أن منطقة الخليج بأسرها وليس الإمارات فحسب لم تعرف الإنتاج السينمائي بالمعنى الحقيقي؟! أتمنى ذلك حتى لا يصنف ما يحدث بالاستثناء، ويتوارى مخرجونا بأفلامهم القليلة إلى الظل لسبب أو لآخر.
سيرة ذاتية
المخرج والممثل سعيد سالمين هو أحد الشباب الإماراتيين الذي أخذ على عاتقه الاهتمام بالسينما الإماراتية والحرص العميق على تحريك هذا المجال من خلال مشاركاته الجديدة وأفلامه المتنوعة والمختلفة عاماً تلو عام.. الأمر الذي أثرى الملكة الفنية والمستوى الإخراجي لديه خصوصا من خلال مشاركاته في المسابقات المحلية والدولية.
بدايات المخرج تعود إلى طفولته حيث نجد انه اهتم بشكل كبير على تكوين تجمع لأقرانه من أبناء منطقته لعمل أفلام بسيطة حسب إمكانياتهم وحسب أفكارهم المتواضعة مما يدل على رغبة أكيدة وحب كبير للسينما من ناحيته ومن ناحية كل من تعاون معه... كبروا وكبرت معهم الهموم والطموح في ذات الوقت ومع مرور الزمن تطورت مداركهم وأفكارهم وطموحهم قرروا تشكيل مجموعة سينمائية باسم مجموعة الرؤية السينمائية بحيث أنهم استطاعوا التركيز على إنتاج الأفلام وإخراجها باحترافية أكثر وبتنظيم أكبر وبجودة أعلى مما ساهم بشكل مباشر وقوي في التطوير العميق لرؤيتهم الخاصة في سينما وليدة تحتاج الرعاية والاهتمام والإخلاص.

