مع صوتها تلتقي أجراس كنائس بيت لحم ومآذن الخليل، وتحتضن «بيّارات» يافا زيتون جبل النار و«حبق» الجليل، فتتعمد الروح في طبرية لتصلي في بيت المقدس، وحين تسمعها تدرك أن هذا الصوت المتفرد بنبضه الروحي قادم من أكوان ملائكية بعيدة عن التخيل، يلقي عن عاتق أهلنا الذين عاشوا في جحيم الخيام، وذاقوا مرارة الأيام، فترتسم البسمة على الشفاه حين تغني «الميجانا» و«يسعد مساكم يا حبايب قلبنا» ويتألق الأمل متشحاً بخيط رفيع من الحزن، حين تطرب الأنفس معها في «وين عَ رام الله».. إنها الفنانة الفلسطينية ريم بنّا التي نذرت نفسها وفنها لخدمة شعبها وقضيته، التي زارت الإمارات لأول مرة، وأحيت حفلا خيريا لصالح جامعة القدس، وحملت معها كل «فلسطين» التي تقول عنها أنها «معي أينما ذهبت».
تقوم ريم بنّا بتلحين معظم أغنياتها التي تتميز بأسلوب موسيقي وغنائي خاص بها، وتقول عنها: إن الأغنيات التي أقدمها مستمدة من وجدان الشعب الفلسطيني، من تراثه، تاريخه وحضارته، فاستحضرها من إيقاع الصحراء في الجنوب، من أغنيات البحر الخالدة على طول الشاطئ الفلسطيني، من إيحاء الطبيعة الساحرة وألوانها في المروج والهضاب، من رجع الصدى بين الجبال والوديان، من إيقاعات الأناشيد الكنعانية القديمة التي رافقت ينابيع المياه العذبة في ترقرقها من بين الصخور، وعلى الحصى البيضاء، من سقسقة عصافير الدوري وبلابل الحقل التي لا تهاجر، مثلها مثل شجرة الزيتون المباركة والصبّار الصامد على حدود الحواكير، والكرمة المقدسة المنتشرة على تلال أرض فلسطين، وأحاول في اللحن برفقة زوجي ورفيق دربي «ليونيد ألكسيينكو» التعبير عن أحلام وأحزان وأفراح وآمال شعبي لنقلها إلى العالم أجمع. رغم حالة الإحباط واليأس والصمت المخزي الذي يكتنف العالم تجاه مأساة «فلسطين»؛ إلا أن ريم بنّا تؤمن بضرورة أن يكمل كل مؤمن بهذه القضية طريقه ومشواره إلى آخر العمر، وتقول في ذلك: «ربما يعتقد من يسمع قولي هذا بأنني بعيدة عن المنطق، وأخالف الواقع، إلا أنني مؤمنة بأن قوة الشعب نفسه، وإيمان الناس بقضيتهم قادر على تغيير الحال وتغيير مسار التاريخ، لذا أنا متواصلة في أداء رسالتي الفنية لخدمة أشرف وأنبل قضية عرفتها الإنسانية، ومؤمنة بأن الآخر ـ وأعني به الناس في الغرب وفي جميع أصقاع الأرض غير العربية ـ سيصلهم صوت «فلسطين» عن طريقي أو عن طريق غيري من فناني وشعراء وأدباء فلسطين، لتغيير الصورة التي رسمها الإعلام المدعوم من الصهيونية العالمية، والذي لعب دوراً خطيراً في تشويه الحقائق».
تعتبر ريم بنّا أول فنانة «افتراضية»، أما حكاية هذا المصطلح فترويها ريم بابتسامة: «دُعيت أخيراً إلى دمشق أثناء الاحتفال بها كعاصمة للثقافة العربية، إلا أنني فوجئت في اللحظة الأخيرة بقرار اللجنة السورية المنظمة للاحتفال بإلغاء الحفل الذي كان من المقرر أن أغني فيها، وحين سألت عن السبب، أخبروني أنهم يخشون عليّ من الاعتقال والمسألة القانونية من جانب السلطات الإسرائيلية، إن أنا قدمت إلى دمشق، فتلقيت عشرات الاتصالات من جمهوري في دمشق، لتنظيم حفل «افتراضي» وهذا ما تم فعلاً. حيث غنيتُ من بيتي في الجليل بفلسطين، بينما تم نصب شاشة كبيرة في مقهى «غزال» في باب توما في الشام، وبعد نجاح التجربة أقمتُ حفلات افتراضية مماثلة في بيروت وغزة ـ تضحك ريم ـ والحمد لله أني قابلت جمهوري مباشرة في أبوظبي».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري


