لم يكن جديداً ما نراه على الساحة الغنائية الآن، من انحدار في الكلمات، وظهور ما اتفق على تسميته بـ «مطربي الموالد والافيهات»، الذين فرضوا على آذاننا نوعاً وشكلاً جديدين من الأغنيات ذات الكلمات الهابطة المبتذلة. وإذا كان هناك من غناء لـ :«البرتقالة، والخوخ، وقطف العنب، و«بوس الواوا»، وحط النقط على الحروف.... » وغيرها من الأغنيات المزدحمة بالإيحاءات الجنسية والكلمات المبتذلة، فإن الفنان سعد الصغير كان أكثر تطوراً من هؤلاء، فبعدما غنى لـ «القوطة» غنى للحمار من خلال أغنيته الشهيرة «بحبك يا حمار»، وتوالت بعدها عشرات الأغنيات التي تحمل مفردات ركيكة التي تتنافس الفضائيات على عرضها لمغني ومغنيات الموالد والافيهات.
والغريب أن مثل هؤلاء المغنين لم ينفوا اتهامهم باعتمادهم واختيارهم لأغنيات غريبة الشكل والمضمون والألفاظ، وبرروا اختيارهم هذا بأنه محاولة للتجديد في شكل الأغنية، لكن التساؤل هنا.. هل هؤلاء المغنون مسؤولون وحدهم عن انتشار هذه الموجة السائدة من الأغنيات؟!، وهل بعد أن كان الشعر ديوان العرب أصبحت الأغنية والكليبات العارية هي ديوانهم؟! في هذا التحقيق كانت هناك آراء عديدة لبعض الشعراء، والملحنين، والمغنين حول هذه القضية ما بين مؤيد ومعارض ومتهم.
يستهل الموسيقار حلمي بكر كلامه بالاعتراض على انتشار هذه النوعية من الأغنيات، والتي أصبح يعتمد عليها عدد كبير من المغنين الموجودين على الساحة، وقال حلمي: «أصبحنا في عصر المونولوجست، وانتهى عصر الطرب الحقيقي والأصوات القوية، ما أثر بالطبع على مؤلفي هذا اليوم، الذين يعيشون الموجة الجديدة، حيث اتجهوا لكتابة كلمات ليس لها أي علاقة بالفن، بل مجرد «أكل عيش» بالمعنى العامي بهدف جذب الجمهور، الذي تلوث سمعه بهذه النوعية السائدة».
ولا ينكر حلمي أن هناك بعضاً من المؤلفين والمغنين الموهوبين، ولكنهم غير ظاهرين بالشكل المفروض، في ظل ظهور عصر «العنب والبطيخ»، والفنانين الذين يستخفون دمهم، ويعتمدون على ألفاظ سخيفة، والفنانات اللواتي يظهرن مفاتنهم في الكليبات؛ ولذلك فأنا لا أرى أن هناك فنا حقيقيا حاليا إلا نادرا.
ويرى الشاعر سيد حجاب أن مؤلفي هذا العصر أصبحوا أكثر استسهالاً بدعوى مجاراة العصر، ويفسر ذلك بالقول: «لا أنكر ضرورة أن نجاري العصر الذي نعيشه، وأن نلجأ إلى التحديث، حتى لا نصبح مكررين، لكن ما يحدث اليوم ويعتبره البعض من الشباب تجديداً ليس إلا انحدارا لذوق جيل كامل، وهو ما يشكل خطورة على واقع ومستقبل الأغنية العربية، فلا يمكن أن نطلق على الكلمات التي يقدمها البعض في أغنياته إنها أغنية، فعندما استمع لبعض هذه الكلمات، أشعر كأنني أمام بائعين متجولين ينادون على بضائعهم، أو مجرد شتائم وشجار، ولكن في شكل ظريف، والغريب أن ذلك أصبح هو الأمر السائد بشكل مستفز، وهناك العديد من الشباب يدافعون عنه، ويحققون شهرتهم من خلاله.
ويؤكد الشاعر صلاح في حديثه حول هذه القضية أنه لابد أن يكون هناك رقابة جادة؛ لحماية الغناء من ظهور مؤلفين ليس لهم علاقة بالشعراء وكتابة هذه الأغنيات، وأعتقد أنه إذا حدث ذلك ستحدث نهضة في الساحة الغنائية، ففي الماضي كانت تقدم أغنيات خفيفة، خلافاً لما يقدم حاليا، فبعد أن استمعنا لأغنيات كوكب الشرق «سيرة الحب» و«أنت عمري»، وأغنيات «فايزة أحمد» التي تحمل مستوى فنياً رفيعاً، فإن شعار هذا العصر كلام على غرار «حط النقط على الحروف وتعالى نطلع سوا على الروف»، وغيرها من الأغنيات التي أصبحت تستفز المستمع، والتي نشارك جميعا في انتشارها بسبب استسلامنا لها.
ويضيف فايز قائلاً: «إن أغنيات هذا العصر لا تعيش، ولا تحقق أي نجاح، ولكنها مجرد فرقعة في وقتها، ولذلك نرى الجمهور حتى من الشباب يهربون إلى الزمن الجميل، لكن هذا ليس معناه أنني أحكم على هذا الجيل بأنه لا يقدم جديدًا، أو انني أرفض التجديد، ولكن أطالب أن يكون ذلك في إطار الفن الحقيقي، والتجديد الذي يساعد على النهوض بمستوى الغناء».
في المقابل، يرفض الشاعر الشاب أيمن بهجت قمر الهجوم الذي يتعرض له جيله من الشباب بشكل عام؛ لأنه مثلما يوجد غير الموهوبين، يوجد الموهوبون أيضاً الذين يتمتعون بدرجة عالية من الفن الحقيقي ويقول: «تعاونت مع مجموعة كبيرة من المغنين المتميزين على الساحة الغنائية، والذين يتمتعون بأصوات قوية منهم: عمرو دياب، وهاني شاكر، ومدحت صالح، ومصطفى قمر، وديانا حداد، وإليسا وغيرهم، ورغم ذلك لا أنكر أن هناك العديد من المؤلفين، الذين يعتمدون في كتاباتهم على كلمات منحدرة المستوى، ولكن لا يمكن تعميم ذلك، فمثل هذه النوعية من المؤلفين أو المغنين مثلما يظهرون مثلما يختفون بعد ذلك، أما المؤلفون الموهوبون فهم موجودون».
ويتابع قائلاً: «أما بالنسبة للأغنيات التي تعتمد في بعض الأحيان على الإفيهات، فهي شكل جديد أصبح مطلوباً، ولكن أرفض أن يقدم بشكل ساذج أو مستفز؛ لأن «ما يزيد على حده ينقلب إلى ضده»، وفي النهاية يعتقد قمر أن المسؤول الحقيقي عن الظاهرة الموجودة من وجود أصوات ضعيفة وانتشار بعض الأغنيات الهابطة، هو الجمهور الذي يشجع هذه النوعية؛ لأنه عندما يرفضها ستنتهي نهائيًا.
ويقول أحمد شتا ـ من المؤلفين الشباب ـ إن كل عصر يحمل سماته، حتى في المجالات الفنية، وبالتالي يحدث تغير في الأذواق يتناسب مع تطور الحياة، ولكن ليس معنى ذلك أننا نصل إلى مرحلة التدني وهبوط الأغنية؛ لأن هناك بعضاً من الأعمال القوية في الوقت الحالي، لذا أرفض الحكم على جيل كامل بالإعدام؛ لأن هناك مؤلفين موهوبين يقدمون أفكارًا جديدة تحمل معاني ومضموناً».
وفي السياق ذاته يشير شتا إلى دور سلبي تلعبه الفضائيات، التي يلجأ إليها البعض لتقديم كليب أو أغنية «مفرقعة» ـ كما يسميها الجمهور ـ وهذه الأغنيات مهما كان شكلها، فهي إما تظهر إنه فنان حقيقي أو العكس، لكن في النهاية لا يمكن الحكم بصورة مطلقة.
القاهرة ـ نسرين سيد


