تظل هي بالتحديد دون غيرها من نجمات السينما، القادرة على إثارة الشجن الجميل فينا عندما نشاهد أحد أفلامها أو نسمع إحدى أغنياتها أو نشاهدها ترقص وتجري وتضحك وتبكي وتملأ الشاشة وحياتنا، صخباً وضجة وحيرة ودموعاً.

أثار نبأ موتها المفجع في مثل هذا الوقت منذ سبعة أعوام إحساسنا العميق باللاعودة أو خسارة زمن لن نستطيع أبدا أن نعوضه أو أوقات لن نستطيع مطلقا أن نعيشها ثانية بحلوها ومرّها.

ها قد مرت الذكري السابعة على رحيل الفنانة المبدعة سعاد حسني. ولاتزال بصدقها وعفويتها وقصة حياتها الحزينة، ترسم ملامح ارتبطنا بها وارتباطها بنا كجمهور، بصورة فاتنة تجعل ذكراها تطل علينا لتثير في حياتنا ومخيلتنا الكثير من الصور والأحداث، فهي جزء مهم من تاريخ السينما العربية المعاصر.

ربما يتسم هذا الكلام عن سعاد حسني كسندريلا الشاشة العربية ببعض الرومانسية، ولكن سواء اتفقنا أو اختلفنا، أعتقد أن الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا المضمار هي إجابات في نفس الوقت فمثلا: كيف عبرت سعاد حسني عن قيم مثل الحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وأهمية العمل للمرأة، والتي كانت آخذة في التبلور في المجتمع المصري في الستينات؟ وكيف عاصرت سعاد حسني في أفلامها اضطراب هذه القيم والأفكار مع بداية السبعينات والحركة السياسية المهمة التي كانت سمة أساسية من سمات مجتمع السبعينات؟

وما الذي استطاعت أن تقدمه في الثمانينات لتعكس الانهيار والانكسار المعنوي والاجتماعي الذي كانت تعيشه فتاة الطبقة الوسطى؟

إذا نظرنا إلى نماذج من أفلامها على مدار ثلاثة عقود ربما نستطيع رصد كيف استطاعت تجسيد أدوار متنوعة ستظل علامة وبصمة وركنا من تاريخ مازلنا نتباكى على فنه الجميل الذي افتقدناه تماما كما افتقدنا معه مشاعرنا التي ضاعت في زخم سطوة الحياة المادية وبريق العصر المتحجر بلا إحساس.

ففي أفلام مثل «السبع بنات» من إخراج عاطف سالم عام 1961، و«الأشقياء الثلاثة» من إخراج حسام الدين مصطفى عام 1962، و«عائلة زيزي» من إخراج فطين عبد الوهاب عام 1963، و«للرجال فقط» من إخراج محمود ذوالفقار عام 1964، و«صغيرة ع الحب» من إخراج نيازي مصطفى عام 1966، و«الزواج على الطريقة الحديثة» من إخراج صلاح كريم عام 1968، نجد سعاد حسني في أدوار كوميدية أو ميلودرامية خفيفة تعبر عن فكرة الحرية والاستقلال التي يجب أن تتمتع بهما الفتاة المتعلمة في المجتمع الحديث. نراها تخطئ أحيانا في تقديراتها عن الحب والعلاقات العاطفية والزواج ولكنها عادة ما تصحح مسيرتها في نهاية الفيلم لكي تتواءم مع القيم التي كان مجتمع الطبقة الوسطى يتبناها.

ولكن عندما نبدأ النظر إلى أفلام مثل «نادية» من إخراج أحمد بدرخان، و«شيء من العذاب» من إخراج صلاح أبو سيف، و«بئر الحرمان» من إخراج كمال الشيخ، وكلها قدمت عام 1969، نجد نموذجاً آخر لفتاة الطبقة الوسطى.

لعبت سعاد حسني في «نادية» شخصيتين لأختين توأمين ـ منى ونادية ـ ولكنهما مختلفتان تماما في أفكارهما وطموحاتهما. وأهمية الفيلم تتمثل في مقدرة سعاد حسني على لعب دورين مختلفين في الأداء ولكن تربط بينهما فكرة أساسية في المضمون وهي الإيمان بالحب بشكل مطلق. هي فكرة رومانسية، ولكنها كانت سائدة جدا في المجتمع آنذاك وكان هذا النوع من الحب هو ما تصبو إليه فتيات مثل بطلتي الفيلم.

في «بئر الحرمان»، كانت هناك تنويعة أخرى على لعب دورين متناقضين، ولكن هذه المرة لفتاة واحدة. فناهد فتاة متعلمة ومثقفة ومحافظة وتحب خطيبها ويخططان للزواج. أما في الليل، فهي فتاة أخرى تسمي نفسها ميرفت، فتاة متحررة وترتدي ملابس كاشفة وتسهر في النوادي الليلية وتعاشر الرجال. تعاني من شيزوفرينيا نكتشف في نهاية الفيلم أنها نتجت عن عقدة حدثت لها في طفولتها بسبب مشاكل بين والديها.

والمهم في هذا الفيلم هو فكرته. فعادة ما كانت البطلة في الأفلام القديمة تقتل نفسها أو يقتلها أحد أفراد عائلتها إذا ما اكتشفوا ما يطلق عليه المجتمع التفريط في العرض. ولكن هنا نجد أن أهل ناهد وخطيبها تفهموا مشكلتها بوعي وحساسية واحتضنوها ولم ينبذوها وسمحوا لها بفرصة أخرى في الحياة.

أما في «شيء من العذاب»، فنرى سلوى تقتحم شقة فنان كبير «يحيى شاهين» وتروي له قصة وهمية حتى تستطيع الاختباء عنده هربا من البوليس الذي يطاردها بعد أن قتلت زوج أمها لأنه حاول الاعتداء عليها. نرى سلوى هنا الفتاة الرقيقة الحساسة تتمزق بين إحساسين: الدفاع عن حقها في الحياة إزاء جريمة اضطرت أن ترتكبها حتى لو أدى بها ذلك إلى الكذب وتلفيق القصص لتواصل هربها من البوليس، وواجبها الأخلاقي نحو هذا الرجل الكريم الذي آواها في بيته. نجد هنا تنويعه أخرى على فكرة هذا التناقض الداخلي والصراع الوجودي بين الحق في الحياة والظروف الاجتماعية التي تحول بيننا وبين هذا الحق.

ثم نجد عدة تنويعات على قصة السندريلا في أفلام «الحب الضائع» لهنري بركات عام 1970، و«خلي بالك من زوزو» لحسن الإمام عام 1972، و«أميرة حبي أنا» لحسن الإمام أيضا عام 1974، و«المتوحشة» لسمير سيف عام 1979.

ففي «الحب الضائع»، نقابل امرأة شابة «سعاد حسني» متشوقة للحب والحنان بعد موت زوجها الشاب الذي كانت تحبه حبا كبيرا. تستضيفها صديقة طفولتها«زبيدة ثروت» في بيتها وتعيش معها وزوجها وطفلها لفترة. يقع زوج الصديقة «رشدي أباظة» في حبها وتنشأ بينهما علاقة. أهم ركائز هذا الفيلم اعتماده على المشاعر المتناقضة لامرأتين تحبان نفس الرجل وهما صديقتان أيضا. فالزوجة أحست بمأزق صديقتها وحاولت التضامن معها وهي ترى مقاومتها للزوج، أما الصديقة فكانت تعيش مجموعة من المشاعر المتنافرة: الحب والندم والاشتياق والإحساس بخيانتها لصديقتها.

أما في «خلي بالك من زوزو» و«أميرة حبي أنا»، فنقابل الفتاة المتعلمة (حتى وإن كانت تنتمي إلى طبقة شعبية كما هو الحال مع زوزو) التي تنتصر على التقاليد الاجتماعية والفوارق الطبقية بإيمانها بالحب. وعلى الرغم من أن قصة الفيلمين بسيطة، إلا أنهما حاولا طرح مجموعة من الأفكار الملتبسة عن الصراع الاجتماعي الذي تواجهه البطلة، ثم نصل إلى فيلم «المتوحشة» الذي إذا ما قارنّا نهايته المأساوية ومصرع البطلة «بهية» بالنهاية السعيدة في «زوزو» سنجد أن موضوع «الهزيمة» في الحب هو الوجه الآخر للعملة الذي تعرضت له سعاد حسني في العديد من أفلامها.

حيث نجد البطلة تصارع من أجل التمتع بحب حقيقي ولكن ظروف كثيرة في المجتمع تحرمها من ذلك: الخوف والفقر في «القاهرة 30»، الظروف السياسية المضطربة في «غروب وشروق»، الحيرة والتناقض الداخلي في «الاختيار»، الزوج المريض بعقدة الرجولة في «موعد على العشاء»، والغيرة التي يمكن أن تؤدي إلى القتل في «المتوحشة». فكما أن هناك انتصارات هناك أيضا هزائم وانكسارات.

وقد استطاعت سعاد حسني في كل هذه الأدوار المختلفة أن تظهر الكثير من المشاكل التي يمكن أن تعيشها امرأة الطبقة الوسطى بالتحديد في هذا البحر المتلاطم الأمواج وفي تلك الفترة من التاريخ المتسمة بالإيقاع السريع جدا في تحولاتها السياسية والاقتصادية.

دبي ـ أسامة عسل