حين خرجت الدراما العربية والسورية تحديداً من أسر الاستوديوهات، وصارت المسلسلات تصور بالكاميرا المحمولة، أصبح المشاهد على تماس مع جماليات المشهد الفني، بعد أن لمس تطوراً في الذائقة المتعلقة ببناء المشهد وإرجاعه إلى زمانه ومكانه الطبيعيين.

وربما كان للدراما التاريخية القديمة والجديدة، حظ وافر في التعاطي مع مفردات العمل الدرامي وخلق جماليات خاصة به نظراً لتطور صناعة الدراما في تحقيق جماليات تخص المكان والمصداقية التاريخية. ونظراً لمتطلبات السوق وحالة التنافس التي ولدت من جراء تنوع الأعمال الدرامية كماً ونوعاً، فقد بات هناك صناعة درامية راقية تعتمد على بناء الديكورات الضخمة التي توحي بأن مكان الحدث حقيقي، وبأن ما يراه المشاهد الآن هو زمن الأحداث الحقيقي، وليس عملاً فنياً يحاكي الفترة الزمانية ذاتها.

واستطاع المخرج السوري حاتم علي على سبيل المثال، اللعب على أوتار الحدث التاريخي جيداً، وهو يقدم رؤية تعود في مرجعيتها إلى المرحلة الزمنية وذاتها سواء في «ربيع قرطبة» أو «صلاح الدين» أو «ملوك الطوائف» أو «التغريبة الفلسطينية». وأيضاً تحقيق مصداقية عالية ببناء ديكورات تعود لبداية القرن الماضي، وهو يعالج قضية «الملك فاروق» في مسلسله الناجح الذي قدم في الموسم الرمضاني الماضي، وحينما تعذر على حاتم علي في هذا العمل على وجه التحديد، اللجوء إلى بعض الأماكن الأصلية التي جرت فيها الأحداث، قام ببناء ديكورات، أوحت بجماليات قصر الملك فاروق، محققاً بذلك مصداقية الموضوع التاريخي وإقناع المشاهدين بالفترة التاريخية التي عالجها.

ويؤكد حاتم علي على هذا الموضوع بالقول: «هناك أعمال درامية يجب أن يتم تحقيق مصداقية من خلالها، لأنها تنتمي إلى مرحلة تاريخية معينة، والمشاهد حقيقة ما عاد يستطيع تقبل الخطأ المكاني أو الزماني في الأعمال التي يشاهدها، فالعمل الاجتماعي والمعاصر يختلف بفنياته عن العمل التاريخي القريب أو البعيد الذي يحتاج إلى مراجع وخيارات فنية ملائمة، يجب تجنب الخطأ بتفاصيلها قدر الإمكان». ويوضح حاتم علي قائلاً: «على العموم أميل للعمل في الدراما بطريقة تسمية الأمور بمسمياتها وإعادة العمل إلى زمانه، وصادف أن عملت في أعمال تاريخية كبيرة عدة، ما استدعى مني ومن طاقم العمل الذي يتولى تجهيز ديكورات وإكسسوارات الفترة التاريخية للعمل، القيام بمراجعات على صعيد البنية الفنية، وهكذا وجدنا ضرورة الاستعانة بطاقم فني متمرس وهذا ما حصل، وقد لمسنا نجاحه والإقناع به من خلال المشاهدين وهم يسألون عن آلية تنفيذ المشاهد التاريخية والقصور بكل تلك المصداقية، والمسألة ذاتها، التي وجدت ظلالاً لنجاحها ظهرت في مسلسل «الملك فاروق»، حين استطعنا حقيقة نقل حياة القصور المصرية في مطلع القرن الماضي إلى الشاشة، وأعود وأؤكد أن المشاهد ما عاد يقبل أن يشاهد عملاً منقوصاً أو ضعيفاً في بنيته الفنية العامة».

وليس مسلسل «الملك فاروق» فقط من تعرض لمرحلة قريبة من التاريخ الحديث الذي لا يبدو سهلاً في تعاطي المخرجين معه، لأنه يحتاج إلى دقة ودراية غير عادية، وهنا نعود إلى مسلسل «أسمهان» الذي يصور الآن في عدد من المناطق السورية، إذ تمكن هذا العمل، وعبر جهود إنتاجية خاصة من تحقيق حالة مثالية في التعاطي مع الشرط التاريخي للمشاهد، في إرجاع العمل إلى مكانه وزمانه الطبيعيين.

وفي هذا السياق، قام منتج العمل الفنان فراس إبراهيم بالبحث طويلاً عن قصر في مناطق صافيتا يكون شبيهاً ببيت أسمهان في بلدها الأم السويداء في بدايات القرن العشرين، وقد ابراهيم على قصر مهجور يعود بناؤه إلى عام 1900، حيث تم تصوير بعض المشاهد الأساسية فيه، وما زال هذا البناء المهجور مكاناً مجهولاً، تؤخذ فيه اللقطات والمشاهد، ثم يغلق إلى أن تعود مرحلة زمانية ما للحياة في مسلسل جديد.

ويبدو أن البحث عن أمكنة تناسب المراحل التاريخية صار هماً لدى المخرجين والمنتجين على حد سواء، ولكن يبقى للمكان الدرامي حضوره الآسر حينما يكون بطلا دراميا بامتياز ويتحول إلى مكان لزيارة الناس إليه. وحينما نعود بالذاكرة إلى الوراء بعض الشيء، نعيش لحظات ممتعة مع «خان الحرير» المسلسل الحلبي الذي أخرجه الفنان هيثم حقي، ضمن مشروع تقديم التاريخ الحديث لسوريا، والذي أعاد في جزأيه مجد المكان كما أعاد الحياة إلى هذا الخان، ونعود أيضاً إلى «ليالي الصالحية» و«باب الحارة»، و«ليالي الحلمية» و«بوابة المتولي» و«بين القصرين» وغيرها من الأعمال التي منحت المكان حضور البطل الدرامي.

ويتذكر المتابعون في صيف العام الماضي، أن عائلات من الأردن وفلسطين ومصر وتونس دخلت في الشام القديمة، وصارت تبحث عن حارتي «باب الحارة» و«الصالحية» وهما عملان نقلا البيئة السورية والأسرة الدمشقية التي قدمت في أعمال المخرج بسام الملا.

دبي ـ جمال آدم