تجلى إحساسه الشاعري، بينما لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ولمع نجمه بعد معاناة لازمته في موقف إنساني داهم طفولته، فأصابها وأحزنها وأنزل دمعة على وجنتيه، حينها راح يلملم ذاته ويواسي نفسه وحيداً. أمسك الإماراتي عبد الله سعيد الظاهري (أبو راشد) بقلم وورقة، وكتب بدمعه كلمات قصيدته الأولى، التي حملت في أبياتها الشعرية المرتبكة مسمى الدمع وأنواعه، والمواقف التي تفرض على الإنسان إطلاق سراح دموعه.
وتلك القصيدة وجدت وفاءً لدمعة ذرفتها عيناه في موقف آلمه، فأسماها «دموع العين» واستهلها بـ «دمع عينك لا نزل ممكن إنك تحبسه.. بس دمع القلب لا مستحيل تمسكه»، وأكبر من ذلك، فقد ارتضى لنفسه اسماً وليداً وهو «أسير الدمعة»، وكل ذلك جاء بحكم تأثره الإنساني بموقف الطفولة الحزين.
«أسير الدمعة» أو عبد الله سعيد الظاهري، الذي اختار لشبابه الشعر والدراسة منذ تلك الدمعة التي كشفت عن قريحته الشعرية، وبمرور السنوات، تمكن الظاهري من الحصول على مسمى دكتور في طب الأسنان، وفي موازاة ذلك تأهل بشهادة «دكتور» في الشعر الشعبي والموزون، الذي كتبه وغناه وأخرجه إلى النور عبر القنوات الفضائية المختلفة، وكل ذلك بفعل دمعة أسرته منذ الصغر.
قبل اللقاء
شخصياً لم أكن أعرف الشاعر الظاهري وجهاً لوجه، رغم أنني كنت أسمع قصائده كثيراً عبر إذاعة الرابعة في عجمان، هاتفته على «الموبايل»، وقررنا أن يكون اللقاء في دبي، وسبقته مساء اليوم ذاته إلى المكان المتفق عليه، بانتظار وصوله من مدينة العين.
كنت أتصور أنني سأقابل شخصاً تحيط بعينيه هالات من السواد، نادراً ما يضحك، يعايش الحزن في كل حركة، ولا أجد للفرحة رسماً في ملامح وجهه، أهّلتُ نفسي للتعامل مع ذلك الشخص بالمواصفات المسبقة التي رسمتها له في مخيلتي.
المفاجأة كانت أن الشخص الذي أنتظره بدا منذ لحظة المصافحة الأولى مجرداً من كل تلك المواصفات، اكتشفت في وجهه ملامح جُلها أمل وتفاؤل، وللوهلة الأولى تهت في ملامحه وأنا أحادثه، فأخبرته بالحقيقة التي عايشتها في تلك اللحظات.
وقلت له: لم أكن أتوقع أن «أسير الدمعة» بهذا الصفاء والهدوء والتفاؤل، أين الحزن والدموع، لماذا لا أراهما في عينيك، فامتلأت عيناه بالدموع، ليس حزناً، وإنما لإفراطه في الضحك، ثم توقف وروى لي بعضاً عن موقف البداية الذي أهله لولوج قاطرة الشعر، فأصرَّ أن يكون وفياً لذلك الموقف، وتشبث به متسمياً باسمه، وهو الآن يعيش حياة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها سعيدة، وإن ظل للحزن مكان في نفسه، كما هو حال البشر عموماً.
دمع وحزن
منذ أن رأت قصيدته الأولى النور في عمره الصغير، استمر «أسير الدمعة» يراقب مواقف الحياة التي تصادفه، فقصائده في تلك المرحلة - حينما كان في المدرسة- ظلت تحوم في دوامة الدمعة والحزن، وقلما وجدت عنواناً مفرحاً، إلا أن توجهاته الشعرية تشعبت منذ دخوله الجامعة، فأنجز إلى الآن عشرات القصائد المتميزة في كلماتها وفي موضوعاتها العاطفية والإنسانية والاجتماعية.
وفي المدرسة، حرص «أسير الدمعة» على التواصل الشعري على صفحات بعض المجلات التي تصدر في دولة الإمارات، ومن خلال الفعاليات والمناسبات الوطنية. وبعد تمكنه من الإمساك بخيوط القصيدة الشعرية، أبدع «أسير الدمعة» قصيدتين، واحدة في مدح الذات الإلهية، وأخرى في مديح والده.
ثم سافر بعد هذه المرحلة المتواضعة شعرياً إلى الخارج لدراسة طب الأسنان، وعاد إلى الإمارات متحفزاَ لممارسة المهنة، ومرت خمس سنوات، حينها تخلى عن الطب في عمله، وراح للبزنس والأعمال الحرة، أما الشعر فبقي مشروعاً نائماً إلى حد ما.
شعر «القلطة»
قبل 3 سنوات من الآن، كان الظاهري يجلس برفقة مجموعة من أصدقائه، الذين بدأوا يقولون شعر «القلطة»، وعندما سمعوا منه الشعر، ألح عليه الجميع أن يستمر في هذا الباب، وأن يصدر له ألبوما، فنمت الفكرة في مخيلته، وتوجه إلى دبي ثم إلى لبنان، وتمكن من تسجيل ألبومه الأول في العام 2006.
وسرعان ما التفت الظاهري إلى قضية غناء القصائد بصوته بالاستناد إلى بعض ألوان الموسيقى وتسجيلها، وتصوير بعضها على شكل «فيديو كليب»، وتعامل مع مخرجين محترفين في هذا الجانب، وهو ما وجد صدى كبيراً ونجاحاً لافتاً، أهله لأن يحظى بمسمى أول شاعر إماراتي غنى قصائده وصورها ومثلها، فطرقت شاشات الفضائيات بقوة وثبات.
قصائد «الفيديو كليب»
منذ تلك اللحظة، وقع الشاعر الظاهري في شرك المقابلات التلفزيونية، وذلك بموازاة رواج قصائده بشكل منقطع النظير عبر شاشات التلفزة المختلفة، أما الآن، فإن «أسير الدمعة» يعكف على إخراج ألبومه الثاني، معتبراً أن الشعر ليس مثل الغناء، فهو لا يأتي مرة واحدة، ولا بد من «إلهام» يحفز على الكتابة، وذلك على الرغم من أن رصيد الشاعر من القصائد فاق الحد المتوقع في أقل من 3 سنوات.
الشاعر عبد الله الظاهري قال إن فكرة تصوير القصائد المحكية، وتجسيدها في «فيديو كليب» لم تكن عفوية أو وليدة الصدفة، بل جاءت عن قناعة راسخة بضرورة أن تتوفر لديه آلية تساعده على الانتقال بقصائده إلى المراتب التي يستهدفها منذ البداية.
فنظر مطولاً في أغنيات «الفيديو كليب» ووجدها تحظى باهتمام مبالغ لم يكن ليحدث، لولا أن الصورة ترافق الكلمة، عندها قرر الخروج من إطار المجلات والأمسيات الشعرية إلى عالمه الأوسع، وهو الشاشات الفضائية، فراح يلقي ويغني كلماته الشعرية، وفي خطوة لاحقة يصورها ويجسدها بفيديو كليب.
أما الآن، فإن كثيراً من الشعراء باتوا على قناعة تامة بجدوى هذه الوسيلة لنقل أشعارهم إلى نطاق أوسع، والعشرات منهم راحوا يصورون قصائدهم ويلقون بها عبر شاشات التلفزة، وهو ما أهل الشاعر لدخول أسرع إلى قلوب مستمعيه، وليس بأدل على ذلك من برامج الشعر الشعبي التي اكتسحت عالم البرامج التلفزيونية، وتأهلت نحو القمة عن جدارة واستحقاق.
واقع وكذب
اعتبر «أسير الدمعة» أن الشعر الشعبي أو حتى الفصيح، هو مرآة للواقع، ومحاكاة لحياة المجتمع، فالشاعر يأخذ كلام الناس ويرده لهم شعراً موزوناً، لذلك يبقى الشعر تعبيراً صريحاً وفصيحاً عما يعيشه الجمهور، وهو ما يؤهله للبقاء قريباً من قلوب المستمعين مهما كانت انتماءاتهم وولاءاتهم.
وخلافاً لذلك تماماً، قال الظاهري إن أجمل الشعر أكذبه، فلا تصدق الشعراء، فربما الشاعر يكتب أجمل الأبيات والقصائد بالحب والعشق والهوى والغزل، وفي المقابل لم يجرب طعم الحب أو الغزل واقعاً، وهنا لا بد من التأكيد على أن الشاعر يملك خيالاً هو الأوسع، ويبقى قادراً على توظيف مفردات اللغة في أبهى الحلل والصور.
مسيرة
ولد الشاعر «أسير الدمعة» يوم 1 فبراير عام 1972 في مدينة العين، التي نشأ فيها وترعرع على حبها، فهو ابن الإمارات البار الذي تعلم منها ومن أهلها الكثير، وهو الطالب الناجح الذي حرص على إتمام تعليمه العالي في كلية طب الأسنان، كذلك فهو الطبيب الذي يعتز بممارسة عمله، هو الشاعر الذي ظلت كتابته للشعر موهبة يتلذذ بها، أما الآن فهو متزوج وأب لطفل.
بدأ مشواره في كتابة الشعر النبطي وهو في سن الثانية عشرة، انطلاقاً من شعور أن كتابته للشعر هي وسيلة تعبير عن أحاسيسه ومشاعره. إعلامياً، بدأ ظهور الشاعر من خلال قصيدته «محكمة النساء» المصورة كفيديو كليب والتي تبث حالياً على قناة نجوم 4 (نجوم القصيد)، أما هوايات الشاعر متنوعة.
وأهمها ركوب الخيل والسفر، وأمنيته الوحيدة بأن يتحقق السلام العالمي، وهو يرحب بالتواصل مع جمهوره عبر الهاتف النقال 0504339977، أو عن طريق البريد الإلكتروني info@aseraldama.com, كما ويمكن للمعنيين الإطلاع على قصائده وأعماله عبر موقعه الإلكتروني: www.aseraldama.com
دبي ـ عنان كتانة

