تطرح الصبية «وردة» في مسرحية «المحطة» للأخوين رحباني سؤالاً يصنع الحلم بوصول «الترين» القطار، وعندما يتحقق الحلم ويصل، لا تجد «وردة» مكاناً لها على متنه. تلك هي الأقدار، إذ إن «صانع الحلم هو من يدفع الثمن، ولكنه لا يتخاذل أبداً ويبقى وفياً لحلمه».

هي المقولة التي عمل عاصي الرحباني طوال حياته مع شقيقه منصور وبالصوت الفيروزي على تجسيدها في جميع أعمالهم الغنائية والمسرحية.. فالحلم بالعدالة والمساواة، وسقوط اللون الرمادي من الذاكرة المشرعة على الحكايات المضمخة بماء الورد والزنبق هاجس هذا العبقري الذي كان مفتوناً بقول المتنبي: (على قلق كأن الريح تحتي .. أوجهها جنوباً أو شمالاً ).اليوم، وفي الذكرى الثانية والعشرين لرحيله جسداً، وانتشار روحه غيوماً وردية في سماء القلوب، ألا يستحق عاصي الرحباني منا ولو وقفة خجولة، نستمطر هذه الغيوم لنزيح عن النفس كآبة خلفها صرير وعويل كثير، قدم برسم الفن والموسيقى والشعر الغنائي؟

ولد عاصي الرحباني في بلدة أنطلياس بلبنان يوم 4 مايو من العام 1923، وكان واحداً من اثنين شكلا علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية، ما عرف ب «الأخوين رحباني» عاصي ومنصور رحباني، وقد قدما معاً عددا كبيراً من الأعمال الغنائية والمسرحية تحت هذا الاسم.وتزوج عاصي من الفنانة الكبيرة فيروز في العام 1954، وأنجبا ليال وغدي ( توفيا في عمر مبكر) وليال وزياد (المؤلف الموسيقي والملحن والكاتب والممثل المسرحي). وافته المنية يوم 21 يونيو من العام 1986 عن عمر 63 عاماً.

شكل النموذج الفني الذي قدمه الرحابنة عبر صوت فيروز في بداياته الأولى، صدمة كبيرة للذائقة السائدة آنذاك، كونها جاءت تحمل معولاً من ياقوت لتدمر الكثير من المسلمات والثوابت الموسيقية والغنائية، مستنيرة بإبداعات المجدد الكبير الشيخ سيد درويش لإطلاق لغة موسيقية جديدة. نجحت في جمع المريدين حولها خلال فترة قصيرة جداً، ما يؤكد تعطش الناس إلى ما هو جميل، وشكل هذا الالتفاف حول الاتجاه الموسيقي الجديد الذي يقدمه الاخوان عاصي ومنصور الرحباني عبر صوت فيروز، الدرع الواقية أمام المنتقدين الذين اضموا إلى ركب المريدين.

ومن دون شك، فإن تجربة التجديد وروح المغامرة الفنية التي تميزت بها المدرسة الرحبانية ورافقتها على مدى مسيرتها الطويلة، كانت من أهم عوامل النجاح. فقد اتجهت إلى تطوير الموسيقى والغناء العربي، وقفزت إلى الأمام بخطوات كبيرة على مستوى اللحن والموضوع.

وحتى على مستوى التوزيع اللحني الأوركسترالي، كما أن اعتماد الرحابنة على الشعر الحر في صياغة الألحان دفع بالأغنية إلى عوالم أكثر اتساعاً ورحابة، فلم تكن الموسيقى خاضعة أو تابعة للنص، وإنما نبعت من دفقات حسيّة مستندة إلى الروح المبدعة.

ولم يكن الوطن الصغير لبنان هاجس الرحابنة وفيروز فقط، بل كان الهم العربي حاضراً وبقوة في عملهم الإبداعي فما تم تقديمه للقضية الفلسطينية دفع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش إلى القول: «الرحابنة وفيروز قدموا فنياً لفلسطين ما لم يقدمه الفلسطينيون أنفسهم، والفلسطيني أشهر هويته الجمالية بالأغنية الفيروزية، حتى صارت هي إطار القلوب المرجعي، وهي الوطن المستعاد وحافز السير على طريق القوافل».

وجاء في اللوح الأخير من النص البابلي الشهير «ملحمة جلجامش»: «يستطيع الإنسان أن يحصي أيامه، وكل ما ينجزه ليس سوى قبض ريح» ألا أن المتتبع لرحلة عاصي الرحباني الإبداعية يجعل ما جاء في هذه المقولة غير دقيق، لأن إحصاء أيام عاصي غير ممكن كونها لم تنته رغم رحيله، كما أن ما أنجزه ما زال وسيبقى حياً رغم هجمات «المغول» الجدد على الذوق العام.

الولادة: 4 مايو 1923

المهنة: مؤلف موسيقي وكاتب مسرحي وشاعر

اللقب: «الاخوين رحباني» مع شقيقه منصور

المكان: أنطلياس - لبنان

الزواج: من فيروز عام 1954

العائلة: زياد - ريما - ليال - غدي

الرصيد: مسرحيات وأوبريتات وألحان

الوفاة: 21 يونيو 1986

دبي ـ خالد اللوباني