يوسف شاهين من المخرجين الذين يثيرون ضجة لا تهدأ منذ تفكيره في فيلم جديد وحتى عرضه، والكلام عن فيلم له كلام يمتد إلى ما لا نهاية، فأفلامه تحمل دائماً عناقيد مثمرة ولآلئ خفية وبقع ضياء يحار المرء فيها.. ومن الصعب أن يمر فيلم لمخرج بحجم شاهين دون أن يكون قادراً دوماً على إثارة الجدل وطرح التساؤلات ـ هكذا عودنا ـ ولا يزال رغم تجاوزه الثمانين يثبت أن الشباب الحقيقي هو شباب الروح..
شاهين ذلك العبقري الذي شهد الاهتمام العالمي به حينما منحه مهرجان كان 1997 جائزة اليوبيل الذهبي عن مجمل إنجازاته، وهو المخرج العربي الوحيد الذي نشرت عنه موسوعة (تاريخ أكسفورد للسينما العالمية) ما يعني ذلك تقديراً للسينما العربية من خلال أحد أهم رموزها. اختزل شاهين تجربته الفنية على مدار أكثر من 60 عاماً في 80 ساعة هي مدة في زمنها وطولها أفلامه الساحرة التي حملت توقيعه وبصمته وعمره «35 فيلماً روائياً طويلاً، و6 أفلام روائية وتسجيلية قصيرة».. عكست موقفه من الحياة والوطن والبشر.
ولد يوسف شاهين في 26 يناير 1926 بمدينة الإسكندرية، ورحلته السينمائية بدأت عام 1950 حينما عاد من أميركا شاباً مسكوناً بحب السينما حيث كان يدرسها في كاليفورنيا، ليخرج في مصر أول أفلامه «بابا أمين» وعمره وقتها 22 عاماً ليكون أصغر مخرج سينمائي مصري.. وبنجاح «بابا أمين» أخرج «ابن النيل» 1951 الذي يروى فيه حكاية الفلاح الذي يهجر زوجته وعائلته وأرضه وقريته ويذهب إلى المدينة بحثاً عن المغامرات والمجهول ثم «المهرج الكبير» و«سيدة القطار» و«نساء بلا رجال».
ورغم أن هذه الأعمال بدت مختلفة في لغتها السينمائية عن السائد حينذاك إلا أن شاهين كان يراها تقليدية، وبعد أربع سنوات وتحديداً في العام 1954 حاول أن يعزف بعيداً عن هذا الإطار، فأخرج «صراع في الوادي»، وظل شاهين يفتش عن أحلامه ويصنع أفلاماً لم يقتنع بها كثيراً حتى قدم فيلماً صار من رموز السينما العربية وهو «باب الحديد» الذي قام شاهين بالتمثيل فيه.
جميلة بوحريد 1985 كان نموذجاً لاتجاه شاهين نحو الفيلم الوطني والقضايا العربية والناصر صلاح الدين 1963 جسد فيه الصراع بين الشرق والغرب، بين حركة التحرر العربية والغزو الاستعماري كرمز يومئ لجمال عبدالناصر، وعقب نكسة 1967 مثله مثل الجميع اهتز كيان يوسف شاهين وقرر العودة إلى مصر بعد أن كان قد أقام في لبنان.
لتبدأ مرحلة جديدة في حياته الفنية بفيلم «الأرض» الذي يمثل نقطة التحول في سينما شاهين ـ كما يقول النقاد، وقام بتدشين المرحلة الجديدة عام 1969 بفيلم «الاختيار»، وفيه حلل بجرأة الواقع السلبي للمثقفين العرب ضمن ازدواجيتهم ووصوليتهم التي كانت أحد أسباب الهزيمة.. ثم «العصفور» الذي تنبأ فيه بحسه الفني بأن الشعب سيخرج في الشوارع رافضاً الهزيمة..
ثم جاء «عودة الابن الضال» وفي هذا الفيلم غاص المخرج في نماذج إنسانية معينة كشف عن طريقها أزمة الحياة في بلده بعمق.. وكان يقترب من النجاح بشكل أو بآخر، ليوفق تماماً في تحفته الفنية «إسكندرية ليه» 1978 حيث يواصل تشخيص المجتمع متوغلاً أكثر في اتجاهات الشخصيات وأفكارها وقيمها ولكن من خلال تجربته الشخصية وحياته..
وفي فيلم «حدوتة مصرية» 1982 قدم كماً غزيراً من الأحاسيس والمشاعر التي ربما يكون انتقاها من حياته الخاصة، ولكن من المؤكد أن كلاً منا عاشها.. تلك اللحظات الصغيرة المتعلقة بالذات والوطن. ( وداعاً بونابرت) أثيرت حوله ضجة كبيرة. وقوبل بالهجوم من قبل البعض وبالمديح من قبل البعض الآخر.. وفي الفيلم جسد شاهين جدلية اللحظة التاريخية في جوانبها المضيئة والمظلمة معاً، لحظة الإيقاظ والاستعباد.
ثم فيلمه «اليوم السادس» الذي عاد فيه إلى لحظات درامية ببداية القرن والجوع وانتشار مرض الكوليرا الفتاك بمصر.. بعد «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» قدم يوسف شاهين جزءاً ثالثاً من سيرته الذاتية في «إسكندرية كمان وكمان» 1990. وتوالت أفلامه حتى وصلت إلى المهاجر والمصير والآخر حيث حاول تقديم رسالة تسامح في ذات الوقت يفضح ويدين التعصب والتطرف.
ثم فيلمه «سكوت حنصور» 2001 وهو قصة حب خطر بين فنانة وأحد الوصوليين، وقد تم تصوير الفيلم في باريس بصحبة اوركسترا سيمفونية. يليق بالبعض أن يروى سيرته، ولا يليق بالبعض الآخر. يوسف شاهين من ذاك البعض الأول، حياته ثرية، غزيرة المحطات والتفاصيل، وها هو يكمل فصول تلك السيرة في فيلمه «إسكندرية... نيويورك» والذي قدمه عام 2004.
يوسف شاهين، تجاوز منذ زمن بعيد السن التي يخلد فيها المرء إلى الهدوء والتقاعد ليعيش في ذكريات زهو أيامه الماضية. وها هو قد اختار لفيلمه الجديد والأخير عنوان «هي فوضى» 2007، وهو يحمل الكثير من الدلالات والإيحاءات، وفى الوقت نفسه يثير علامات استفهام عديدة يطرحها كعادة شاهين في كل أعماله، ليأتي رداً على الأحداث السياسية المتلاحقة في المنطقة.
سيرة ذاتية
يوسف جبريل شاهين مخرج سينمائي مصري، من أصل لبناني. بدأ الدراسة في مدرسة سان مارك، ثم انتقل إلى الكلية الإنجليزية حتى حصل على الشهادة المدرسية الثانوية. بعد سنة في جامعة الإسكندرية، انتقل إلى الولايات المتحدة وأمضى سنتين في دار اسادينا المسرحي يدرس صناعة الأفلام والفنون الدرامية.
بعد رجوع شاهين إلى مصر، ساعده المصور السينمائي أل؟يز أورفانيللي بالدخول في العمل بصناعة الأفلام. كان أول فيلم له هو بابا أمين 1950. وبعد عام واحد شارك فيلمه ابن النيل 1951 في مهرجان أفلام كان.
في 1970 حصل على الجائزة الذهبية من مهرجان قرطا. وحصل على جائزة الدب الفضي في برلين عن فيلمه إسكندرية... ليه؟ 1978، وفي 1992 عرض عليه اك لاسال أن يعرض مسرحية من اختياره لـ كوميدي فرانسيز فاختار شاهين أن يعرض مسرحية كاليجولا لـ «ألبير كامو» والتي نجحت نجاحًا ساحقًا.
في العام نفسه بدأ بكتابة المهاجر 1994، قصة مستوحاة من الشخصية الدينية يوسف بن يعقوب. تمنى شاهين دائمًا صنع هذا العمل وقد تحققت أمنيته في 1994. وفي 1997، وبعد 46 عامًا و5 دعوات سابقة، حصل على جائزة اليوبيل الذهبي من مهرجان كان في عيده ال50 عن فيلمه المصير 1997.
سبوت لايت
جوائز وأوسمة أكدت أسطورة صاحب «الأرض» و«باب الحديد»
يستحق المخرج يوسف شاهين الخلود في تاريخ السينما العربية لو لم يقدم سوى فيلم «الأرض» ويستحق الممثل يوسف شاهين الخلود نفسه لو لم يقدم سوى دور «قناوي» في فيلم «باب الحديد»، وهو الملهم والمعلم لكل شخص راقب أفلامه وسيبقى أسطورة إلى الأبد.
أهم الجوائز التي حصل عليها:
ـ لقب أحسن ممثل في مهرجان برلين لدوره قناوي عام 1958
ـ رشح فيلمه الناصر صلاح الدين لجائزة الأوسكار
ـ كرس له مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي في دورته عام 1996 برنامجاً كاملاً ضم كل أفلامه القصيرة والطويلة.
ـ منحه مهرجان كان 1997 جائزة اليوبيل الذهبي عن مجمل إنجازاته تقديراً لمسيرته الفنية.
ـ شارك فيلم إسكندرية نيويورك في مهرجان كان عام 2004
ـ حصل فيلم 11 سبتمبر على جائزة اليونسكو في مهرجان فينسيا عام 2003.
أهم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها:
ـ وسام القائد من الدرجة الأولى للفنون والآداب من فرنسا
ـ وسام جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان برلين
ـ عدد 129 جائزة عالمية في الإخراج والتمثيل
ـ في عام 2000 كرمه مهرجان اسطنبول السينمائي الدولي التاسع عشر بمنحه جائزة خاصة (مدى الحياة) وذلك عن مشواره السينمائي خلال نصف قرن.
زووم إن
«هي فوضى» حال المجتمع المصري
عن الفوضى التي يقصدها فيلم «هي فوضى» يقول مؤلفه ناصر عبدالرحمن: (هي الحال التي تسود المجتمع وأفراده والتي يمكن لي تشبيهها بالعقد الذي فرط، فتبحث كيف تلملمه مرة أخرى. بمعنى أن الإنسان صار لا يعرف كيف يسير والى أين.
المشاعر الأصلية للإنسان «اتلخبطت» والجميع محكوم بقيود حتى السلطة التي يجسدها هنا أمين الشرطة «خالد صالح» بقسوته ومشاعره التي فقدها في ظل خلل أصاب أهل المجتمع المصري الذي شغل عقل شاهين لأكثر من نصف قرن، بمن فيهم الفلاحون في رائعته «الأرض» أو المهمشون في «باب الحديد».
يقوم ببطولة «هي فوضى» خالد صالح ومنة شلبي وهالة صدقي ويوسف الشريف وهالة فاخر ورولا محمود. تاريخ العرض: 2007، إخراج: يوسف شاهين - خالد يوسف، إنتاج: شركة أفلام مصر العالمية، مدير التصوير: د. رمسيس مرزوق، موسيقي: ياسر عبدالرحمن، توزيع: شركة أفلام مصر العالمية.
دبي ـ أسامة عسل



