كيف يمكن أن تحول مكتبك إلى متحف للفن المعاصر؟ الجواب بسيط: اختر من قطع الأثاث الخاصة بمفروشات المكاتب للمصممين الأميركيين تشارلز وراي ايمز، فتجد نفسك مسترخياً في كرسي خشبي أو جلدي فخم أو بلاستيكي يعود تاريخ تصميمه إلى منتصف القرن الماضي، أما تصنيعه، فقد تم حديثاً في أحد المصانع الألمانية.
ويمكن أيضا في هذه الحال تخيل نفسك مسترخياً بالمتعة عينها على الكرسي عينه بعد ثلاثين سنة، فالمصممان اللذان وضعا أسسا ومبادئ وأفكاراً إبداعية في فن صناعة الكراسي المعاصرة، كانا يفكران أيضاً بالجودة والمتانة، وكل ما يضمن حياة كرسي قد تكون أطول من حياة الإنسان الذي اشتراها لمتعته وراحته. بدأت قصة الزوجين الفنانين تشارلز وراي ايمز في منتصف القرن الماضي، واستمرت أكثر من أربعين سنة. وأثمرت مجموعة غير عادية من القطع الفنية عكست رؤية شاملة وفلسفة عميقة في التعامل مع الأشياء وفق طبيعتها، وبما يناسب محيطها لتشكل متعة حقيقية للعين والروح معاً، كما أثمرت العديد من الأعمال الهندسية المعمارية والمعارض والغرافيكس والصور الفوتوغرافية وحتى الأفلام.
ولد تشارلز ايمز في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري عام 1907.. لم يكمل دراسة الهندسة المعمارية، وفصل عن الجامعة بحجة أن «لديه رؤية مبالغة في الحداثة، ثم انصرف بعدها إلى عمله الخاص في ميتشيغن لتصميم الأثاث مع صديقه ايرو سارينن. أما راي التي ولدت باسم بياتريس الكسندرا كيزر عام 1912 في كاليفورنيا. فقد تتلمذت على يد الفنان الألماني الشهير هانس هوفمان. التقت تشارلز عام 1940 تزوجا وانتقلا إلى لوس انجلوس حيث بدآ عملهما المشترك.
شكل كرسي من الخشب الرقائقي «plywood» باكورة أعمالهما، فقد مر الكرسي الأشهر ضمن تصاميمهما بمراحل اختباريه طويلة استمرت سنوات، تطور خلالها النموذج إلى أن ظهر بحلته النهائية المثالية. وكرت سبحة الابتكارات والأفكار عاكسة تزاوجاً موفقاً بين رؤية هندسية معاصرة وفن تشكيلي يعشق الأشكال والألوان والتفاصيل بكل أبعادها. ما أنجزه تشارلز وراي مر بسلسلة من الاختبارات، كانت تبدأ بتحديد حاجة مناقشتها تحديد الأبعاد ثم الانتقال إلى الورق، فالبدء بصناعة النماذج وتطويرها.
بحسب ايمز ديميتريوس الذي يدير مؤسسة تحمل اسم الزوجين، وتهتم بالمحافظة على تراث الجدين المبدعين ونقل وشرح أفكارهما إلى الأجيال المقبلة بالإضافة إلى إشراف على استمرارية إنتاج قطع الأثاث التي تحمل توقيعهما، واعتمد تشارلز وراي في عملهما على اختبار كل قطعة بنفسيهما، ورصد الملاحظات للوصول إلى الإبداع والتميز.
من القطع الفخمة للزوجين إيمز كرسي الاسترخاء الجلدي Eames lounge chair. كما طرح تشارلز فكرة تصميم نموذج متطور لكرسي النوادي الانجليزي English club chair لتنطلق عملية طويلة من العمل الجاد والدقيق للخروج بقطعة فخمة ترضي رغبات الزوجين الفنية والهندسية، وتكون متينة ومريحة ومصنوعة من أفضل وأجود المواد على الإطلاق.
ووصف تشارلز العمل على هذا الكرسي بأنه «خطة لترتيب مجموعة من العناصر بأسلوب يضمن أفضل النتائج». وقد انتهى العمل على الكرسي عام 1956، وهي تتضمن مراحل إعدادها 46 خطوة معظمها ينجز يدوياً. عمل تشارلز وراي أيضاً على تطويع الالمنيوم وتحويله إلى قطع أثاث مكتبية فنية رائعة، فقد جذبهم إلى هذا المعدن متانته مقاومته للصدأ والعوامل الطبيعية، وسهولة تطويعه وخفة وزنه.
أطلق أول تصاميم كراسي الالمنيوم عام 1950، وتزامن ذلك مع إطلاق كراسي البلاستيك التي وصفها الزوجان بأنها تهدف إلى «تأمين الأفضل لأكبر عدد من الناس وبأقل ثمن ممكن». وصمم الزوجان مجموعة كبيرة من الكراسي التي أدخل في صناعتها البلاستيك والألمنيوم، وامتزجت فيها الخطوط والتفاصيل والألوان، واستخدمت في المكاتب والمطاعم والمدارس والمسارح والمتاحف والكثير من الأماكن العامة.
عام 1960 كلف تشارلز وراي تصميم مجموعة من الأثاث للممرات في مبنى «تايم لايف» في مركز روكفللر في مدينة نيويورك، لتولد مجموعة من الكراسي والمقاعد الرائعة، التي ما لبثت أن تحولت إلى جزء من أثاث الكثير من الأماكن من بينها مطار ساريننز دونز في واشنطن، ومطار أوهير في شيكاغو، وحتى في مطار دبي الدولي.
رحيل
يذكر أن «كنبة ايمز» (EAMES SOFA) ظهرت بعد سبع سنوات من وفاة تشارلز ايمز عام 1978. ورحلت راي بعد عشر سنوات أي عام 1988.
كرسي جلدي
استلم الكاتب الأميركي بيلي وايلدر أول نموذج من كرسي تشارلز وراي ايمز في مناسبة عيد ميلاده الخمسين عام 1956 كهدية من صديقيه.
الاسم: Eames lounge chair
كفالة: 5 سنوات
الثمن: 5000 يورو
«خشب الرقاقي»
أطلق هذا الكرسي عام 1945، وكانت صناعته تشكل تحدياً كبيراً لصعوبة تطويع الخشب. وتمكن الزوجان من تطوير أسلوب صناعي سمح لهما بإنتاج عدد وفير من القطع.
الاسم: PLYWOOD CHAIR
يباع: شركة فيترا
الثمن: 216 دولاراً
«شرائط ألمنيوم»
استمر العمل على هذا النوع من الكراسي سنوات عدة، ليخرج بعدها كرسي في غاية الاناقة والراحة يتمتع بشفافية وخطوط فائقة الجمال.
الاسم: W÷IA? ERI
النوع: ألمنيوم
الثمن: 800 دولار
ديمتريوس إيمز يحفظ تراث الأجداد
لم تضع وفاة تشارلز وراي ايمز حداً لانتشار أعمالهما، التي مازالت تصنع من قبل شركتين متخصصتين. ولا تزال أعمالهما الموجودة في الكثير من المنازل والمكاتب والأماكن العامة والمتاحف تروي سيرة إبداعية لا تنتهي.
ويوضح ديمتريوس ايمز حفيد المصممين رئيس مؤسسة ايمز الذي التقته «الحواس الخمس» في دبي، أن شركة فيترا تقوم بتصنيع وتسويق أثاث تشارلز وراي إيمز في أوروبا والشرق الأوسط بينما تتولى شركة «هيرمين ميللر» التصنيع والتسويق في الولايات المتحدة وبقية أنحاء العالم، وذلك بالتعاون والتنسيق مع مؤسسة إيمز التي يديرها بنفسه. وتهتم المؤسسة في الإبقاء على تراث تشارلز وراي حياً من خلال إعادة تصنيع أعمالهما وتصنيع بعض القطع التي صمماها ولم يصنعا منها إلا عدداً من القطع المحدودة.
لم يتعلم ديميتروس مهنة جديه التي يعشق ويستمتع في الحديث عنها، بينما يؤكد تمسكه بالمفاهيم التي تمكنا من إرسائها في عالم صناعة المفروشات المكتبية المعاصرة، والفارق الذي أحدثاه في هذا المجال. ذهب اهتمام الحفيد الشاب باتجاه صناعة السينما التي أحب منذ صغره، ليحترف إخراج وإنتاج الأفلام القصيرة التي من شأنها إلقاء الضوء على جديه وتراثهما.
يقول: «تشارلز وراي لم يكونا مجرد مصممين عاديين، هما فنانان يتعاملان مع الأشياء من منظار واسع ومتقن ثلاثي الأبعاد قائم على فلسفة فنية ونظرة عميقة للخطوط والتضاريس والأحجام من دون إغفال الجودة والراحة والنوعية العالية للمواد المستخدمة. يضيف قائلاً: «قطع أثاث تشارلز وراي صديقة للبيئة لجهة المواد المستخدمة، ولأنها تمتاز بحياتها الطويلة فلا تتحول إلى جزء من القمامة، بل يتم توارثها من جيل إلى جيل».
ويوضح ديمتريوس أن أعمال المصممين الأميركيين لم تقتصر على تصميم الكراسي والمقاعد، وإنما شملت الطاولات والخزائن المكتبية والعاب الأطفال وعلاقات الملابس والصور، وهما مصوران محترفان قدما للعالم مجموعة من الأفلام أشهرها » باور أوف تن». كما صمما الأقمشة وألفا مجموعة من الكتب القيمة، هذا عدا عن التصاميم الهندسية المعمارية التي تجلت في أكثر من مكان في الولايات المتحدة، ونظما عدداً كبيراً من المعارض المتخصصة بفنون التصميم المعاصرة.
ويشير الحفيد ديمتريوس إلى أن لجديه ريتشارد وراي أعمالا موجودة في متاحف الفن المعاصر في الولايات المتحدة، ولهما متحفهما الخاص الذي يستقبل آلاف الزوار من مختلف أرجاء العالم سنويا.
ويؤكد ديمتريوس أن اهتمام المصممين بشكل القطع لم يأت على حساب المتانة أبداً، ويعطي مثلا مقاعد تشارلز وراي ايمز الموجودة في مطار دبي الدولي منذ سنة 1983 حتى اليوم من دون أن تخضع للصيانة إلا مرة أو اثنتين حين تم تغيير الغطاء «التنجيد» الموجود على التصميم المصنوع من الألمنيوم. يقول «أمر مذهل أن تبقى هذه المقاعد صامدة وأنيقة رغم مرور أكثر من 30 سنة من الاستخدام اليومي والكثيف لها».
ويلفت رداً على سؤال حول ما إذا كان صناع القرار في الشركات والمؤسسات الكبرى في دبي يستمتعان بأثاث تشارلز وراي ايمز، إلى انه موجود في مركز دبي المالي العالمي، وشركات كثيرة أخرى، وحتى في مكاتب صناع القرار معدداً بعضاً منهم. ويعطي ديميتريوس قطعة أثاث هي بمثابة لعبة للصغار على شكل فيل مصنوعة من الخشب مثالاً، فقد صممها الزوجان لوالدته في مناسبة عيد ميلادها.
يقول: «كان من النادر صناعة هذه اللعبة على نطاق واسع لصعوبة تطويع الخشب، ولم تكن المعدات الصناعية متوفرة. لقد أعادت فيترا صناعة الفيل في إصدار خاص عام 2007، لمناسبة مرور مئة عام على ولادة تشارلز ايمز، يبلغ ثمنه 1000 يورو».
الاسم: بيت تشارلز وراي ايمز
البناء: 1949
المكان: باسيفيك بلاسايدز ـ كاليفورنيا
التصنيف: متحف وطني 2006
ميزة: صديق للبيئة
المواد: اسمنت،ألمنيوم، خشب
دبي ـ كارول ياغي



