كانت أمسية متنوعة بين العاطفة والسياسة، وزاخرة بالشجن والحنين إلى أرض العراق، تلك التي أحياها أخيراً الشاعر كريم العراقي في قاعة مسرح مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي ونظمتها المؤسسة بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث. ونثر خلالها الشاعر الورود الأحزان، ما جعل الجمهور الذي امتلأ به المكان يتفاعل معه دموعاً وتصفيقاً.
وكانت عريفة الحفل الشاعرة الإماراتية شيخة استهلت الأمسية بكلمة قدمت فيها الشاعر وعازف العود الملحن علي سرحان الذي كان يدندن طوال الأمسية على أوتار عوده الحانية، فيمنح الإيقاعات الشعرية توهجا وعمقا.
وقالت شيخة: (كل كلمة تفجر له، وترجو أن تكون له طفلته المدللة، عرفته يوم عرفته وهو مقام عراقي جميل، لا أعرف كيف شدني ولا أعرف كيف انطويت في قصائده، وسهرت على شرفة قوافيه، يعايش الألم في قصائده ليحيل صباح الألم أملاً. ومساؤنا الليلة مساء كريم عراقي ، (الحكاية البغدادية)، (تأويل)، (حديث دجلة)، (شدو الحنين)، (قمر على شرفة قافية)، (وطن الياسمين)، (خارطة الحلم).. مع كريم الشعر العربي العراقي).
ثم أنشد العراقي بمصاحبة عزف على العود قصائد عديدة شدا بمعظمها الفنان كاظم الساهر منها : (مدينة الحب) و(بغداد) و(المستبدة) و(ها حبيبي) و(قل للجميلة) و(دلول) وقصائد أخرى. بينما شاركت الشاعرة الإماراتية شيخة بقراءة قصيدة ردت فيها على قصيدة العراقي وهي بعنوان: (لاعبة البلياردو).
على هامش الأمسية، التقينا الشاعر كريم العراقي حيث أهدى (الحواس الخمس) قصيدة لم يقرأها في الأمسية. وأوضح قائلاً: (لقد طرأ على البرنامج الكثير من التعديلات ، فقد أجلت قراءة الكثير من القصائد ، وقد غمرتني السعادة بهذا التواجد العربي في الأمسية، وهي نوع من التواصل لهدف إنساني مثل حضور أمسيات لمحمود درويش وسميح القاسم والأبنودي وأي شاعر من المغرب العربي).
وعن أسلوبه وطبيعة قصائده قال: (لقد تعرض شعري لتأثيرات الظروف المتغيرة ، والشاعر ليس سوى أحاسيس تمثل انعكاساً للوضع الإنساني أو الذي يعيشه بلده. وقد تغير الخطاب واختلف باختلاف الأوضاع المحيطة بنا التي تتغير مع كل صباح . لقد كنا نشحذ الهمم بالهتاف ، ولكن الآن القضية أكبر ، ولم يعد للحماس الأول وهتافاتنا جدوى ، لذا علينا أن نعمق الوعي، ونعرف اللعبة مبكراً، لأن الهتاف أتعبنا وفضحنا وعذبنا، وألحق بنا ضرراً كبيراً).
(بلاد العرب أوطاني)
وبمرارة قال العراقي:(إن العبارة تعجز عن وصف وضعنا العربي الحالي، ويمكن القول إن النشيد الذي كنا نردده في الماضي) بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان) يمكن أن يكون قد تحول الآن إلى بلاد الغرب أوطاني) وقال: (إن كثيراً من المفاهيم تبدلت فمنها ما أصبح طي النسيان ومنها الذي بات يلفظ أنفاسه. ولكن على الرغم من الليل الذي يسود وطننا العربي، فإن الأمل باق ، فنحن نحزن ونغضب ، ولكن لابد من الأمل).
خطاب للحكومات
وتابع العراقي حديثه قائلاً: (من الصعب أن نوجه حديثنا دائما للجماهير الطيبة والعفوية ، لكن خطابنا ينبغي أن يكون إلى الحكومات، ليس في جعبتي الآن أي كلام لأن الوضع صعب وصعب الكلام وصعب البوح بما في حنايا القلب ، والكلام الذي يسكن في داخلي، من الصعب البوح به).
واستطرد بالقول: (أستطيع أن أجيبك عن الكثير من الأسئلة وبمطلق الحرية، عندما يصبح لدي جواز أجنبي، أجيبك على تلك الأسئلة . أما الآن فأنا ضعيف الجانب مكسور لأنني داخل وطأة الفيزا والتأشيرة . وحين يصبح لدي جواز أجنبي، أستطيع أن أكلمك بكل صراحة وحرية وكما أشاء. ولكن مازلت عربيا أعشق هذا الوطن العربي الكبير).
العامية والفصحى
وسألناه إلى ما يميل أكثر في الكتابة.. العامية أم الفصحى؟ فبادرنا بالقول: (في جميع أعمالي لا أجد أي فاصل ما بين لغة الزجل والفصحى ، فعندما أكتب قصائدي أعيش الفكرة والمضمون، وتأتي القصيدة كومضة لو اتخذت شكل الفصحى أو العامية ، أو لغة الزجل، وذات نكهة شعبية، وقد تكون أغنية باللغة الفصحى والحقيقة، فإن الكثيرين من الشعراء من الأصدقاء يقولون لي: لا نحب قصائدك عندما تكون بالفصحى ، فهي بالعامية أجمل وأكثر تأثيرا على النفس).
قصائد للمغنين الشباب
وأوضح العراقي أن القصائد التي يقدمها للفنانين العرب يكتبها باللهجة البيضاء التي تميل إلى الفصحى، ويمكن لأي مغن عربي أن يغنيها. وأكد الشاعر أنه في هذه الأيام يتوجه بالدرجة الأولى نحو الجيل الجديد من المغنين الشبان والشابات .
ومن هؤلاء أسيل عمران من السعودية ، وعمار عبد الخالق عراقي مقيم في لبنان وساندرا يوسف من لبنان ومروان داوود من لبنان أيضا والهامي عزت من مصر. وأكد أن دوره كشاعر غنائي أيضاً يكمن في توفير القصائد للجيل الشاب من المغنين وليس الاقتصار على المغنين المعروفين.
أشعار لم تقرأ
تجنب الشاعر العراقي قراءة مجموعة من قصائده لأنها برأيه (كانت ستضاعف من هموم الحضور وقد تتفجر إلى حالات من الحزن والدموع، واعتبر أن تلك القصائد ومضات أمام سيل كسير وحزين.
عدم الاستقرار
ويختم العراقي حديث بالقول : (إن أعمالي تخضع دائما لطبيعة انتقالي، فأنا أقيم اليوم في السويد، وقد ترجم عدد من أعمالي إلى اللغة السويدية، وثمة مشروع لترجمة فيلم (جلجامش) أيضاً.
وقد حصلت على عضوية اتحاد الكتاب السويديين، وأهديته 650 كتابا من مكتبتي الشخصية، وهي كناية عن مجموعة كبيرة فيها كتب مصرية ولبنانية وعراقية وسورية . وأقمت في تلك البلاد البعيدة أمسيات شعرية في مدن مختلفة ،ولي علاقات واسعة مع السويديين والجالية العراقية الضخمة هناك).
