يتسلل الخواء إلى عقولنا من جديد بلغة أخرى هذه المرة، والذاكرة تخوننا بامتياز عندما نتيح للسذاجة أن تتحكم بوعينا مجداً وبشكل محزن، بعدما اعتقدنا أننا قد نجحنا في كبحها منذ سنوات طويلة، حين تحولت التوابل الهندية إلى وجبة مضحكة ومثار سخرية لدى الجميع، وحتى البسطاء منهم التي كانت وجبة دسمة بالنسبة إليهم ذات يوم.

وحين نتحدث عن «التوابل الهندية»، نقصد بالتحديد تلك النوعية من الدراما الهندية التي تتوجه إلى جمهور واسع، يائس من تحقق أحلامه في الواقع، ويرى أن أحلامه وأمنياته وطموحاته وتخيلاته ورغباته الدفينة، لا تتجسد إلا على الشاشة.

وذلك كي نفرق بينها وبين الدراما الهندية العظيمة التي حقق أصحابها إنجازات مهمة محلياً وعالمياً، انطلاقاً من عملهم القائم على مقاربة الواقع والغوص في تفاصيله التي تجعل من الأحلام والقيم الجميلة التي يروج لها أصحاب الاتجاه الأول مجرد كوابيس ومشروع تخدير بواسطة الدراما.

شانتا رام وبيجال روي وميرا ناير وساتيا جيت راي مخرجون هنود نجحوا في اختراق حاجز الوهم والخداع، ووصلوا إلينا، بل استطعنا الوصول إليهم وسط الزحام، واستمتعنا معهم باللغة الراقية للدراما. ولكن الهجوم الجديد لم يأت هذه المرة من الهند، بل من جهة أخرى وبلغة غير متوقعة..

إنها تركيا التي تتسلل بهدوء إلى عقول أبنائنا بتوليفة هزيلة ومستهلكة، لاكتها الدراما الهندية والمكسيكية وحتى العربية آلاف المرات، وذلك عبر سلسلة من الأعمال الدرامية المدبلجة كان آخرها « نور» وسنوات الضياع»..

العملان اللذان تعرضهما حالياً محطة «ام بي سي» حيث يقوم البناء الدرامي لهذين العملين على الركائز والمقولات الهندية والمكسيكية والعربية الساذجة، حول العالم السابح على بركة من الحب والجمال والقيم الطيبة وليس المصالح، وتحويل الحراك الاجتماعي إلى مجرد صراع على امرأة جميلة للفوز بها.

وعن الصدفة التي تتحكم بمقاليد الأحداث بما يتناقض مع الواقع ويدحضه، فيما يكون النطاق الذي يتحرك فيه هؤلاء الممثلون دائماً وسط الفلل الفخمة، والشركات الضخمة، بينما يتم التنقل دائماً بواسطة السيارات الفارهة، وإن حدث وظهرت سيارة متهالكة، فيكون ذلك من قبيل الإضحاك.

هنا يطرح السؤال نفسه بقوة: ما الهدف من إعادة تسويق مثل هذا النوع من الأعمال الدرامية التي تحمل ضرراً بالوعي عبر إنجاز عملية التخدير التي تمكن المتلقي من الاستفاقة منها قليلاً والتي تمكنت حتى الدراما العربية المأزومة، من إنتاج أعمال أفضل منها شكلاً ومضموناً.

ومن جهة أخرى، فإن الجهات التي تقف وراء عمليات الترويج والتسويق لهذا النوع من الدراما تعيد الكرة من جديد في البحث عن الغث في الدراما التركية وتقديمه للجمهور العربي كما حدث في حالة استثناء.

وتجاهل «السمين» من الأعمال ذات القيمة الفنية العالية في الدراما الهندية، فهناك رفاق عديدون ل« يلماز غوناي» و«عاطف يلمز» و«سنان جاتين» و«سيردار أكار»، و«زكي كابلان» يقدمون أعمالاً درامية ذات قيمة فنية عالية مستلهمة من الواقع وليست متعالية عليه.

ونتساءل أيضاً: هل المطلوب أن نهدر أعواماً طويلة أخرى لنتعرف على أعمال «غوناي» الذي شاهد المخرج ايليا كازان صاحب «فيفا زاباتا» و«شرقي عدن» أحد أعماله بعنوان «الأمل» وقال بعد خروجه من قاعة العرض: «حين تشاهد هذا الفيلم تشعر على الفور أن النظرة التي يلقيها مخرجه على البشر وعلى قومه، نظرة صادقة، حقيقية ومتكاملة، إلى درجة أنني حين كنت أتابع مشاهد الفيلم شعرت بقلق شديد على مصير الرجل والعائلة اللذين كنت أشاهدهما على الشاشة.

بل انني ظللت على قلقي هذا حتى بعد نهاية الفيلم. وقلت: ما الذي سوف يحدث لهذا الرجل يا ترى.. هكذا رحت أفكر وأتساءل؟».

وهو بالضبط ما كان يريده يلماز غوناي حيث كان يقول دائماً: «لا يمكن ان يحقق الانسان اي شيء من دون التفكير، وأنا أحب أن أدفع إلى التفكير دائماً».

فهل المطلوب أن نهدر المزيد من الوقت لنكتشف سذاجة هذه الوجبة العبثية التي تقدم لنا، وهل لدينا المزيد منه أصلاً ؟!

دبي ـ خالد اللوباني