كثيرون يكررون على الدوام تساؤلاً موحداً مفاده، متى يمكن تحقيق سينما إماراتية مزدهرة توازي شقيقاتها في العالم العربي إن لم يكن أكثر؟. البعض يراها بعيدة، وآخرون يرون أن السينما الإماراتية، وجدت وتعمل في أجواء من المثابرة سعياً نحو الهدف الأكبر.
وهو الخروج إلى الساحتين العربية والعالمية، لكن الأهم من ذلك كله، هو حقيقة أن الإمارات تعيش طفرة مخرجين وفنانين من الشباب العاملين في ذلك القطاع، الذين يقفزون عن مقاعد الدراسة الجامعية ممسكين بعدسة الكاميرا، هو ما يبشر بمستقبل سينمائي إماراتي لا يحسبه الكثيرون بعيداً أو صعب المنال.الشابة الإماراتية والمخرجة السينمائية مريم العور، التي لا تتجاوز في الرابعة والعشرين من عمرها، هي واحدة من آمال السينما الإماراتية، تحمل هموم السينما بجدية حازمة، وتسعى وراء أهداف تكنها في مخيلتها منذ أيامها الأولى في كلية دبي التقنية للبنات، أما واقعها الآن فقد وصل إلى حد يفوق الرؤى الاعتيادية لمخرجين في عمرها، لاسيما وأن معظم تفكيرها الإخراجي ينحصر في رؤية خيالية، تحاكي حسب مريم النقلة التي بلغتها دبي على أرض الواقع، وتسبح مع التطلعات المستقبلية الأقرب إلى الخيال.
الخيال من وجهة نظر مريم فترة نقاهة وتأمل وتفكير يحتاجها الدماغ البشري، وفي المجال السينمائي تحديداً تبرز حاجة الإمارات إلى هذا الواقع الإخراجي، في حين أن بلوغ الهدف لا محالة سيكون يوماً من الأيام، طالما حافظ صاحب الشأن والقرار على عزيمة وإصرار تبنيان بتوازن واقتدار خدمة للصالح العام.
أما دبي، فقد بلغت مرحلة صارمة من العمل والجد والمثابرة، بحسب ما ترى مريم، فكل ما فيها يحاكي الخيال، ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تصب في مجال تنشيط الدماغ البشري، والبحث عن كل ما هو غير تقليدي لبلوغ الأهداف الموضوعة والمطلوبة خدمة للتطور المستمر في الإمارة. وعلى هذا الأساس، فإنه ليس غريباً أو صعباً على المخرجين، البحث عن أدوات سينمائية جديدة تحاكي الرؤية الإماراتية، من باب أن الجميع يعمل بحس واحد في بلد لا يعرف للتوقف رديفاً.
وليس بعيداً عن ذلك، تعترف مريم العور أن حبها للخيال نابع من رؤيتها للواقع، فهي على قدر ما تجد في أفلام الخيال إرضاءً لذاتها، تؤمن بأهمية وجدوى دمج الماضي مع الواقع برؤية استشرافية تكون أقرب إلى الخيال.
أبعد من ذلك، ترجع مريم إلى التاريخ في لقطات وصور دائمة من الوفاء، وهي تؤمن بأن البحث عن الماضي في أفلام سينمائية سيضيف الكثير للواقع المختلف في صيغته العامة، لذلك لا بد للسينما وللدراما الإماراتية التفكير في أعمال أخرى بعيداً عن الدموع والكآبة، حيث توجد من الأسماء الإماراتية والعربية ما يكفي شاشة التلفزيون لسنوات طويلة، و«نمر بن عدوان» حالة نجاح شاهدة، أما هي فتحلم في فيلم سينمائي يجسد بطولة وحضور خالد بن الوليد التاريخي.
ويعتمد الإخراج لدى مريم على نوع القصة التي بصددها أصحاب القرار السينمائي، وحتى يكون إخراجاً ناجحاً، لا بد أن يظل قريباً من الخيال والواقع بالتوازي، وتعتبر أن الإكثار من المؤثرات الخارجية أمر سلبي ويكون على حساب المضمون، وهو ما يفقد العمل قيمة فنية، أكثر ما يحتاجها المخرج نفسه.
في حياة المخرجة الصغيرة أعمال سينمائية ودرامية قليلة في عددها، لكنها كثيرة جداً في ضيق فترة الإنجاز، فمنذ بداية دراستها وحتى لحظة تخرجها أكملت العمل في سبعة أفلام بين وثائقية ودرامية وخيالية، وساهمت بتزيين أعمال تبقى المحرك الذي تنطلق بقوته نحو حلم المستقبل في الإنجازات المغايرة والنوعية، وإلى الآن وجدت بصماتها في عدة أعمال وهي: «الصخرة» (روائي)، و«الرحلة» (درامي وخيالي)، و«رحلة حول الإمارات»، و«أين نحن من الغد»، و«واقع المخرجين الإماراتيين«(وثائقي)، إضافة إلى إعلان لهشاشة العظام.
ومثلما حملت مريم الكاميرا بحثاً عن أفلام وثائقية وخيالية تشبع رغباتها السينمائية، حملتها أيضاً في محاولة منها لتقييم واقع المخرجين الإماراتيين، وراحت تجول بين إمارات الدولة رصداً لحال الإخراج في مخيلة من أحبوه، وهي الآن على أعتاب الانتهاء من مشروعها الوثائقي الأكبر.
أكثر ما أزعج مريم العور، هو عزوف عدد من الشباب عن مهنة الإخراج التي تأخذ منهم أكثر بكثير مما يمكن أن تمنحهم إياه في ظل الظروف الحالية لسينما الإمارات، وهو ما تجمله سعياً منها لمساعدة القاصدين لهذا المجال وإبقائهم في دائرة الأمان سينمائياً، حتى لا تضيع الفرصة على أبناء الإمارات في الوصول إلى أعلى مراتب الفن السابع، خاصة في ظل ما تشهده الدولة من انفتاح سينمائي ومهرجانات تعزز المكانة الفنية والسينمائية للدولة، لاسيما لأبنائها المواطنين.

