موضوع الخلاف والاتفاق بين السوريين والمصريين في مجال الدراما، يقودنا للدخول في تفاصيل اللعبة الدرامية ونوعية وحجم الأعمال التي تتطلبها الشاشات العربية، وهل أن غياب نوعية معينة من الأعمال هو الذي ساعد في ضعف أداء الدراما المصرية ؟
وعلى الرغم من أن مصر كانت في طليعة الدول العربية المهتمة بإنتاج المسلسلات التاريخية، منها «محمد رسول الله»، و«الوعد الحق»، و«عمر بن عبدالعزيز»، و«عقبة بن نافع»، و«قتيبة بن مسلم الباهلي»، وموسى بن نصير»...وغيرها، وتقديم أهم شخصيات التاريخ العربي والإسلامي.. إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعاً كبيراً في إنتاج هذه الأعمال، فقد خلت الخريطة الرمضانية للعام 2007 من أي مسلسلات تاريخية باستثناء «الإمام الشافعي» ولا تبدو خريطة رمضان للعام الحالي حافلة بعمل يعيد للأذهان حضور العمل التاريخي الذي اشتهرت به الدراما المصرية.
وفي هذا الصدد، تلقي جهات عديدة بالمسؤولية على الكُتاب، بدعوى عدم وجود نصوص جيدة، إلا أن الكاتب المصري يسري الجندي ينفي هذا الأمر نفياً قاطعا، مؤكدا أن المؤلفين موجودون، وأن مصر تزخر بأفضل الكتاب في الوطن العربي، ملقياً بالمسؤولية على الإنتاج والإخراج، لاسيما مع افتقاد المخرج المتخصص في الأعمال التاريخية، خاصة بعد وفاة المخرج المتميز حسام الدين مصطفى، كما تفتقد الدراما المصرية وجود مخرج متخصص في إخراج المعارك التاريخية.
فضلاً عن أن الإنتاج يتعامل مع الدراما بمنطق تجاري، فأصبح المنتج يبحث عن العمل الذي يضمن جني الأرباح من ورائه، وهذا مقبول في القطاع الخاص، لكن الغريب أن القطاع العام يفكر بالمنطق ذاته، على الرغم من أن المفترض أن الدولة تنتج أعمالاً تهدف إلى التنوير والتثقيف، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة.
ويطالب الجندي بضرورة تضافر جهود القطاعين العام والخاص لإنتاج عمل تاريخي ضخم، تستعيد به الدراما المصرية الصدارة التي افتقدتها كثيراً، وساعدت بتراجعها على تقدم الدراما السورية التي تجد تشجيعاً كبيراً في هذا الصدد.
من جانبه، يؤكد الكاتب أسامة أنور عكاشة أن تراجع إنتاج أعمال تاريخية في التلفزيون المصري سببه شركات الإنتاج التي تلهث وراء نصوص تافهة مكررة لا لشيء إلا أنها تحقق أرباحاً مادية بغض النظر عن جدواها فنياً، زعماً بأنه منطق السوق التي تبحث عن أعمال تشبه أفلام المقاولات التي انتشرت في سبعينات القرن العشرين.
ويضيف عكاشة قائلاً:« ينبغي على قطاعات الإنتاج أن تتوقف عن إنتاج الأعمال الهابطة، وتقوم بتكليف مؤلفين كبار لتقديم أعمال تاريخية ضخمة الإنتاج، لكن مع الأسف حتى لو حدث ذلك، فإن توقيت عرض المسلسلات التاريخية، لا يسمح للمشاهدين بمتابعتها، لأنها تعرض في أوقات متأخرة».
من جانبه، يدافع المخرج أحمد صقر عن مهنته، موضحاً أن في مصر مخرجين متميزين قادرين على إخراج أعمال تاريخية ذات قيمة عالية، وما نحتاجه فقط مخرج معارك، وهذا يمكن الاستعانة به من الخارج مثلما حدث في مسلسل «الطارق»، أما سبب ندرة الأعمال التاريخية فيعود إلى الإنتاج الذي يتعامل معها كعمل عادي مثل غيره من الأعمال الاجتماعية، على الرغم من أن العمل التاريخي الجيد لا يخسر مثلما يقال، لأنه يجمع بين الإبهار والمتعة.
وفي محاولة منه لتبرير تراجع الدراما التاريخية في مصر وتقدمها في سوريا، يؤكد المخرج مصطفى الشال أن العمل الفني أصبح محكوماً بمنطق الربح والخسارة، خاصة بعد انتشار الفضائيات، مشيرا إلى أن الدول العربية تسعى إلى شراء المسلسلات الاجتماعية التي يمثل فيها نجوم كبار، بينما لا تقبل على شراء الأعمال التاريخية المصرية، وتكتفي بشراء المسلسلات التاريخية السورية التي تفوقت علينا في هذا المجال، لأن أجور نجوم سوريا ضعيفة.
فضلاً عن دعم حكومات سوريا وقطر والإمارات لهذه الأعمال، إذ تفتح لها جميع أماكن التصوير، وهذا ما لا يحدث في مصر، حيث تمنع الدولة التصوير في العديد من الأماكن التاريخية، وطالب «الشال» وزارة الثقافة المصرية بالتدخل لإنقاذ الأعمال التاريخية، لأنها عمل ثقافي، مثل المسرح الذي تهتم به.
بينما يؤكد رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي سيد حلمي، أن التكلفة الإنتاجية العالية السبب الأول وراء تراجع التليفزيون المصري عن إنتاج أعمال تاريخية، موضحاً في حديثه:« المفروض أن ينتج هذه النوعية اتحاد الإذاعة والتليفزيون لأنه يمتلك إمكانيات ضخمة، أما مدينة الإنتاج الإعلامي فهي شركة مساهمة ذات ميزانية محدودة، ولا تتمكن من إنتاج مسلسل تاريخي ناجح تنافس به الدراما السورية.
رئيس شركة صوت القاهرة إبراهيم العقباوي يلقي بدوره الكرة في ملعب كُتاب الدراما، مؤكدا أن عدم وجود سيناريوهات جيدة المستوى وراء توقف الإنتاج التاريخي، مشيراً إلى أن المؤلفين اتجهوا إلى الأنواع الأخرى من الدراما، لأن الأعمال التاريخية تتناول فترات زمنية قديمة ما يتطلب مجهوداً خاصاً في الكتابة، بالإضافة إلى السفر إلى أماكن تصوير محددة تحتاج إلى ميزانيات ضخمة.
فضلاً عن أن الدراما التاريخية تتطلب جهداً وتفكيراً مدروساً، لكن لا توجد مشكلة سواء في التأليف أو الإخراج أو الإنتاج، والقطاع يعد لعدد من الأعمال الضخمة تعرض في رمضان 2008، منها مسلسل «علي مبارك» الذي يقوم ببطولته الفنان كمال أبورية.
وخالفت الفنانة منى زكي آراء الفنانين الذين سبقوها مؤكدة تفوق الدراما السورية على المصرية، مشيرة إلى أن هذا أمر طبيعي، وعلى حد تعبيرها «الدراما السورية حاليا أفضل من المصرية، والتميز يقتصر على الأعمال التاريخية من دون بقية ألوان الدراما الأخرى، وعزت السبب في ذلك إلى تمتع سوريا بأماكن تصوير متميزة تناسب المناخ الذي تحتاجه الأعمال التاريخية، فضلاً عن المقارنة بمصر، مع الخبرة العالية في إخراج المعارك التاريخية التي تزخر بها هذه النوعية من المسلسلات».
من جهته شن الفنان أحمد بدير الذي شارك من قبل في عدد من الأعمال التاريخية، هجوما حادا على ما وصل إليه حال الأعمال الدينية والتاريخية في التلفزيون المصري، مؤكدا أن الوضع غير مقبول على الاطلاق، لدرجة أنه بات من الأفضل عدم تقديم أعمال تاريخية.
لأن المستوى الذي وصلت إليه الأعمال الدينية والتاريخية المصرية سيئ جداً، وهذا يتضح عند مشاهدة الأعمال التاريخية السورية، التي أصبحت تتفوق على الأعمال المصرية، بسبب تعامل المنتجين المصريين باستهتار مع الديكورات والملابس والماكياج، وكل ما تحتاجه الأعمال التاريخية من عناصر تحقق لها النجاح.
تاريخ
قصة الدراما في سوريا
عرفت الدراما السورية المسلسلات التاريخية منذ بداية السبعينات، وربما يعتبر مسلسل «الزباء» الذي أخرجه غسان جبري أحد أقدم المسلسلات التاريخية، وهو يحكي فيه قصة زنوبيا ملكة تدمر، في الوقت الذي كانت الدراما المصرية تقدم مسلسلات وأفلاماً سينمائية عن قصص التاريخ والسيرة النبوية الشريفة.
وظل تفوق المصريين في الدراما التاريخية حتى بداية التسعينات حينما قدم المخرج السوري نجدة أنزور ما عرف اصطلاحياً بالفانتازيا التي نسبها البعض للتاريخ غير محدد المكان والزمان، وانتشرت هذه السلسلة من الأعمال إلى أن لمع نجم الفنان حاتم علي الذي قدم «صلاح الدين» و«صقر قريش» و«ربيع قرطبة» و«ملوك الطوائف» وكلها أعمال من العيار الثقيل، حققت حضوراً مهماً في العالم العربي وولدت شراكة متميزة مع الكاتب وليد سيف.
